أزمات المثقف الإسلامي..
المثقف الإسلامي .. ما علاقته بالسلطة ..؟
وسِمَت العلاقة بين السلطة والمثقف الإسلامي ، بتاريخ من الصراعات ، منذ أن ظهر المصطلح .. ( إسلامي ) . برز مصطلح ( المثقف الإسلامي ) ، مع تعبيرات أخرى .. لها نفس الصفة ، بعد سقوط ( الخلافة ) ، وتأسيس الدولة ( القومية ) الحديثة ، ذات النزعة العلمانية ، المجافية للدين .. وهو ما كان سبباً في نشوء الحركات الإسلامية . إلغاء الخلافة عام 1924 ، من قبل حزب جمعية الاتحاد والترقي العلماني، الذي استولى على السلطة في تركيا ، أحدث حالاً من الأسى والذهول ، لدى كثير من المسلمين ، الذين كانت ( الخلافة ) .. على ضعفها ، تمثل لهم ملاذاً ، ضد جحافل المستعمر الأوروبي ، الذي نهب الخيرات ، وأشاع الفساد .
الحركة الإسلامية ، التي قامت على المفهوم الشمولي للدين ، بهدف استعادة دور الإسلام في حياة المجتمع المسلم ، اصطدمت منذ البداية ب ( السلطة ) . الدولة الحديثة .. ( العلمانية )، التي قامت على أنقاض دولة الخلافة ، بعد تقسيم الاستعمار لإرثها .. على أساس قومي وإقليمي ، مثلث بعنصريها الرئيسيين : القومية والعلمانية ، نقيضاً لـ ( دولة ) الإسلام .. ومصادماً لنظرية الحكم الإسلامية . إذ الإسلام يقوم على ( أخوة ) الدين .. وليس العنصر أو القومية ، والعلمانية تقصي ( حاكمية ) الله ، وتجعل ( المشرع ) هو الإنسان .. لا الخالق .
أدبيات الحركة الإسلامية في أول أمرها ، اعتمدت المصطلح .. ( إسلامي )، بوصفه علامة تميزها عن الأطروحات والشعارات ، التي لا تنطلق من رؤية إسلامية . في وقت لاحق ، انتقلت الحركة إلى طور التنظيم ، والعمل الحزبي ، بسبب تعسف الإجراءات الرسمية وقسوتها، وزيادة المطاردات والتضييق الأمني .. من خلال اضطهاد العلماء ، ومطاردة المفكرين واعتقالهم ، وإغلاق الجمعيات التطوعية والخيرية ، ومصادرة الكتب والمطبوعات . بسبب هذه الممارسات .. صار المصطلح حاجة .. للتعبير عن ( هوية ) مستقلة .. مضطهدة ومحاربة ، و لتحقيق ( تمايز ) في الصفوف ، بين ما هو إسلامي ، وغير إسلامي .. لضمان وضوح الرؤية ، ولدرء ( الاختراقات ) الفكرية والأمنية .
الشعور بالاختلاف والافتراق ، بين الحركة الإسلامية ، والأنظمة الحاكمة ،خلق أجواء ( عدم ثقة ) ، وألقى بظلاله على العلاقة ، بين المثقف الإسلامي و( السلطة ).. التي يقع تحت نفوذها . اتسمت تلك العلاقة ، بعدد من الملامح .. أبرز مظاهرها :
* ظلت ( السلطة ) ، تتوجس دائماً من المثقف الإسلامي ، وتكيد له ، وتناصبه العداء .. وتتربص به .
* نُظِر لـ ( مشروع ) المثقف الإسلامي على أنه : تهديد لـ ( الشرعية ) ، وذو طبيعة تآمريه .. وانقلابي بطبعه .
* اعتبر ( مشروع ) المثقف الإسلامي .. انعزالياً ، يهدد العلاقة مع الغرب .. وله موقف عدائي من الحضارة الغربية .
* لم تفرق ( السلطة ) ، في معاملتها للمثقفين الإسلاميين ، بين من يوصف منهم بالاعتدال ، أو ذلك المتهم بالتطرف .
* تعاملت ( السلطة ) ،في معظم أطوار علاقتها ، مع المثقف الإسلامي .. بصفته الفردية ، أو من خلال المؤسسات والجمعيات التي ينتمي إليها .. بتوحش : فقتلت ، وسجنت ، وحاصرت ، وأقصت ، ونفت .. وقطعت الأرزاق .
* أدى موقف ( السلطة ) الاستئصالي .. والعنيف للمثقفين ، والأفراد الإسلاميين عموماً ، إلى نشؤ تيارات عنيفة ، تشكلت بسبب المطاردات الأمنية المستمرة ، والاعتقالات ، والتعذيب داخل السجون ، والقوانين العرفية .. و( القضاء ) المنحرف .. الظالم في أحكامه .
هل المثقف الإسلامي قريب من نبض الجماهير وهمومها .. ؟
سؤال قد يبدو منطقياً .. إزاء واقع علاقة المثقف الإسلامي ب ( السلطة ) . إذا كان المثقف الإسلامي منحازاً في ( مشروعه ) إلى الجماهير .. لماذا تخلت عنه ، وتركته لـ ( السلطة ) تستفرد به .. انتهاكاً لحقوقه ، ومصادرة لمشروعه .. ؟ إذا كان مشروعه ( وطنياً ) ، يهدف إلى تعزيز الاستقلال ، ورفض التبعية .. لماذا وصفته الدوائر الرسمية ب ( العمالة ) ، ووصمة اليساريون ب ( الرجعية ) .. ويصمه ( الليبراليون ) ، الوكلاء الحصريون للمشروع الأمريكي في المنطقة .. ب ( الظلامية ) .. ؟!
الملاحظات التالية ، التي كانت مظهراً للمثقف الإسلامي ، في أول انطلاق نضاله الدعوي والسياسي ، قبل بداية صعود المد الإسلامي ، عقب هزيمة 67م ، واندحار التيار القومي العلماني .. هذه الملاحظات قد تجيب على بعض التساؤلات :
* ركز المثقف الإسلامي ، على القضايا الكبرى .. السياسية والحضارية ، مثل تطبيق الشريعة ، وإقامة الخلافة ، والإرث الثقافي والحضاري للإسلام . هذه المسائل ، كانت اهتمامات وقضايا نخبة ، مما جعل المثقف الإسلامي ، بمعزل عن غالبية طبقات الشعب .
* ابتعد المثقف الإسلامي ، عن تطلعات رجل الشارع ، وحاجاته الأساسية .. حيث ظلت الهموم اليومية .. للفرد المواطن ، في أدنى اهتمامات ، وأسفل أجندة ، المثقف الإسلامي . انشغاله بالأهداف الكبرى النظرية ، على سموها ، لم تجعله يقترب من ( الهم ) اليومي للإنسان العربي .
* لم تكن قضية الحريات أساسية عنده .. بسبب المفهوم السائد للحريات .. ( الغربي ) الجوهر ، الذي يعتدي على الدين ، ويتطاول على المقدسات .. وعلى المستوى الأخلاقي ، يروّج للرذيلة .. باسم الحرية الشخصية .
تَعَامُلْ المثقف الإسلامي بحذر ، مع موضوع ( الحريات ) .. لهذا السبب ، انعكس على موقف النخب العربية .. وتوجسهم ، من أي دور للإسلاميين في النشاط السياسي . كما أن الإعلام الحزبي المضاد ، بشقيه .. الذي اعتمد مرجعية شرقية ( سوفييتية ) ، أو ذلك الذي يتبنى توجهاً ( ليبرالياً ) غربياً .. استغل هذه النقطة ، في تشويه صورة الإسلاميين لدى الجماهير ، ووصفهم بأوصاف باعدت بينهم وبين قطاعات الشعب المهمشة .. التي قطعت الأنظمة شوطاً كبيراً ، في طمس هويتها ، ومصادرة حقوقها الأساسية .
* عدم الوضوح في مسألة حقوق الإنسان . إذ لم يبلور الإسلاميون رؤية واضحة في هذه المسألة ، واقتصروا على خطاب عام ، ينطلق من تكريم الإسلام للإنسان .
* تعدد الفهوم في مسألة حقوق المرأة ، وافتقارها لرؤية متماسكة .. حيث لم يحسم الإسلاميون موضوع المرأة ، ودورها في الحياة العامة .. وترك ممزقا بين الاختلافات الفقهية ، والعادات المحلية لكل بلد . هذا الموقف أعطى فرصة للانتهازيين ، لرفع ورقة المرأة في أكثر من مناسبة.
لقد امتهنت المرأة ،في ظل سيادة المفهوم الغربي لحقوق المرأة .. وغياب مشروع إسلامي ، يفعّل دورها الأسري والاجتماعي .. بوصفها جزءاً فاعلاً في المجتمع ، ويمنع التعدي عليها ، وانتقاص حقوقها المادية والمعنوية .. ويصونها من الاستغلال الغرائزي والشهواني .
* عدم الوضوح في مفهوم تداول السلطة .. وحق الفرد في الاختيار ، حيث ظل المثقف الإسلامي متردداً في رسم آلية للمشاركة الشعبية ، والانتقال السلمي للسلطة .. بسبب تلاعب الأنظمة في عملية الانتخابات . كذلك نجحت الآلة الإعلامية للسلطة .. ولبعض الأحزاب ، في صياغة ( صورة ذهنية ) مخيفة للواقع ، إذا آل الأمر للإسلاميين .
هل تغير موقف المثقف الإسلامي ، وتجاوز هذه ( الملاحظات ) ..؟
أعتقد أن التيار الإسلامي الآن ، بمثقفيه ومجاهديه ، هو الذي يقود النضال الوطني من أجل الإصلاح ، ويقود عمليات المقاومة والجهاد ضد ( الاحتلال ) ، الاستيطاني والغازي . لقد دفعت أحداث سبتمبر ب ( عدو ) ضخم ، حاقد .. وشرس ، إلى المواجهة .. وأدت كذلك ، إلى ( استقواء ) فئات من داخل الصف .. به . رأت هذه ( الفئات ) .. في هذا ( العدو ) الجاثم بيننا ، وعلى حدودنا ، فرصة لـ ( الانقلاب ) ، وتحقيق أهداف ، ومصالح شخصية أو طائفية .. وتصفية حسابات أيدولوجية .
إن ( المثقف الإسلامي ) مطالب ، أكثر من أي وقت مضى ، أن يقف .. ويقاوم . إن تقديم ( التنازلات ) ، باسم التسامح ، وقبول الآخر .. لن يجدي مع ( هؤلاء ) ..!
سيظلون يلعنون سلفنا ، وينتقصون من رموزنا ، ويهدمون ثوابتنا ، وينقضون عرى ديننا ، واحدة تلو الأخرى .. ونحن ننزل ( السلم ) درجة .. درجة ، إلى الهاوية ..!
" والله غالب على أمره ، ولكن أكثر الناس لا يعلمون " .