أهلاً بك , ها أنت الآن على مقربةٍ منا تنظر الينا من شرفات ملتقانا الثقافي جئتنا زائراً كالقمر .
وها نحن في محيط فكرنا العربي الأصيل نكتسي بحلله ونعانق رموزه ونقطف من خمائله .
فإن شئت أن تشاركنا هذه اللحظات الرائعة فأهلاً بك مرةٍ مرة أخرى وتفضل بالدخول الى قاعة التشريفات من هُنا ( التسجيل )
الأسرة والمجتمعشؤون الأسره والطفوله , ثقافه تربويه هادفه
ومن الاساليب التي كان يستعملها النبي صلى الله عليه و سلم في معالجة الخلافات الزوجية : إسلوب التغاضي ،
وذلك لأن كثيرا من الخلافات الزوجية لا تحل بأسلوب الخصومة و لا ينفع معها الجدل ، و كم رأينا من خلافات ما زادها الجدل إلا تعقيدا ، بل زاد من صعوبة حلها .
و من الأمثلة على هذا الأسلوب النبوي :
ما جاء عن انس رضي الله عنه أنها قال : كان للنبي صلى الله عليه و سلم تسع نسوة ، فكان إذا قسم بينهم لا ينتهي إلى المرأة الأولى إلا في تسع ، فكن يجتمعن كل ليلة في بيت التي يأتيها ، فكان في بيت عائشة فجاءت زينب فمدَّ يده إليها .
فقالت : هذه زينب ، فكف النبي صلى الله عليه و سلم يده ، فتقاولتا حتى اسْتَخَبَتّا ، حتى أقيمت الصلاة .
( قوله : استخبتا : من السخب و هو اختلاط الأصوات و ارتفاعها ، كما في شرح صحيح مسلم للنووي 10/47 ) .
فمر ابوبكر على ذلك فسمع أصواتهما .
فقال: اخرج يا رسول الله إلى الصلاة، و أحث في أفواههن التراب.
فخرج النبي صلى الله عليه و سلم.
فقالت عائشة : الآن يقضي النبي صلى الله عليه و سلم صلاته فيجئ ابوبكر فيفعل بى و يفعل .
فلما قضى النبي الله عليه و سلم صلاته أتاها ابوبكر ، فقال لها قولا شديدا .
و قال: " أتصنعين هذا؟ " ( رواه مسلم -1463، 47 ).
وواضح ان النبي صلى الله عليه و سلم لم يباشر معالجة الموقف في قمة ثورته بل تغاضى عنه ، و انصرف إلى الصلاة ، و الإغضاء الرحيم هو أفضل حل لهذه المشكلة ( لا سيما و ان الدافع لكل واحدة من المتخاصمتين هنا هو حب رسول الله صلى الله عليه و سلم و لا يجوز ان يكون الحب سببا لإساءة محبوبها إليها ، فلا يجزي الإحسان بالإساءة عند سيد الأنبياء عليه الصلاة والسلام . ( انظر كتاب دراسة تحليلية لشخصية الرسول صلى الله عليه و سلم، د/ محمد رواس قلعي ص.185 ) .
وقد عالجها ابوبكر خير معالجة إذ زجر عائشة على ما بدر منها .
و لم يكن رسول الله صلى الله عليه و سلم يكتفي بهذا الأسلوب فقط ، بل كان عليه الصلاة و السلام يحول بين هذا الطرف الثالث – حتى و لو كان أبا – و بين الإساءة إلى الزوجة ، و بذلك تشعر هذه الزوجة ان زوجها أرأف بها من أبيها .
يدل على ذلك ما جاء :
عن النعمان بن بشير رضي الله عنه قال : استأذن ابوبكر على النبي صلى الله عليه و سلم فسمع صوت عائشة عاليا ، و هي تقول : والله لقد علمت ان عليًّا أحب إليك من أبي .
فأهوى إليها ابوبكر ليلطمها ، وقال : يا ابنة أم رومان ، أراك ترفعين صوتك على رسول الله صلى الله عليه و سلم ، فامسكه رسول الله صلى الله عليه و سلم و خرج ابوبكر مغضبا ، فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : " يا عائشة ، كيف رأيتني أنقذتك من الرجل " .
- و في رواية مسند احمد : فلما خرج ابوبكر جعل النبي صلى الله عليه و سلم يترضاها يقول لها : " ألا ترين أني قد حلت بين الرجل و بينك " .
- ثم استأذن ابوبكر بعد ذلك ، وقد اصطلح رسول الله صلى الله عليه و سلم و عائشة .
- - وفي رواية مسند احمد : فوجده يضاحكها - .
فقال ابوبكر : أدخلاني في السلم كما أدخلتماني في الحرب .
- فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " قد فعلنا ".
-
و يمكننا ان نستنبط من قول أبى بكر رضي الله عنه : أدخلاني في السلم كما أدخلتماني في الحرب : أسلوبا نبويا جديدا في معالجة الخلافات الزوجية ألا وهو إسلوب التحكيم إذ ان قوله " أدخلاني في السلم " يدل على ان النبي صلى الله عليه و سلم وزوجه عائشة رضي الله عنها طلبا منه التدخل لحل هذا النزاع ، و أنهما رضياه ان يكون حكما بينهما ، و ان كان مطلع الحديث لا يفيد هذا المعنى بصورة واضحة ، و كأنه يوحي ان ابابكر دخل من غير طلب ، و انه تدخل كطرف ثالث لحل هذا الخلاف القائم ، و الخاص بأحب الرجلين إلى النبي صلى الله عليه و سلم .
( أخرجه احمد – 30/1894 ،18421 - ، و ابوداود – 4999 - ، و النسائي في السنن الكبرى – 9110 – و اللفظ له ، و الطحاوي في شرح مشكل الآثار – 5309 - . وقد ثبت من حديث عمرو بن العاص عند البخاري – 3662 – انه سأل النبي صلى الله عليه و سلم : اى الناس أحب إليك ؟ قال : عائشة ، فقلت من الرجال ؟ قال: أبوها. قلت : ثم من ؟ قال : عمر بن الخطاب . فعد رجالا . ) .
المبحث الثالث : إسلوب الحوار و الإقناع
ومن الأساليب التي استعملها النبي صلى الله عليه و سلم في معالجة المشكلات الزوجية إسلوب الحوار الهادف لإقناع الزوجة بالعدول عن خطأ وقعت به ، أو فكرة مسبقة حملتها وهي غير صحيحة .
النموذج الأول : أتباعه صلى الله عليه و سلم إسلوب الإقناع عن طريق الحوار في تعامله مع زوجه الطاهرة صفية بنت حيي بن اخطب النضرية رضي الله عنها .
عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : ( قالت : - يعني صفية - : وكان رسول الله صلى الله عليه و سلم من ابغض الناس الىّ ، قتل زوجي و أبي ، و قومي فمازال يعتذر اليَّ ويقول : يا صفية ان أباك ألّب علّي العرب ، وفعل وفعل ، حتى ذهب ذلك من نفسي ) – أخرجه أبو الشيخ في أخلاق النبي صلى الله عليه و سلم ص . 66 ، من طريق عفان مختصرا. و أخرجه البيهقي ( 9/138 ) ، من طريق عبدا لواحد بن غياث : كلاهما ( عفان و عبدا لواحد ) عن حماد بن سلمة ، عن عبيد الله بن عمر عن نافع، وبه قال الحافظ ابن الحجر في فتح الباري ( 9/508 ) أخرجه البيهقي بإسناد رجاله ثقات . --.
و في رواية : " أما إني اعتذر إليك مما صنعت بقومك ، إنهم قالوا لي كذا و كذا ، و قالوا فيَّ كذا وكذا " فما قمت من مقعدي و من الناس أحب اليَّ منه صلى الله عليه و سلم ) – السيرة الحلبية ( 2/749 ) - .
في هذا الحديث نشهد نموذجا رائعا من نماذج الإقناع عن طريق الحوار .
هذا النموذج هو تعامله صلى الله عليه و سلم مع صفية بنت حيي بن اخطب ، فقد كانت هذه المرأة من اليهود ، هؤلاء القوم الذين لقي النبي صلى الله عليه و سلم منهم كل شر وبلاء ، و اضطر النبي صلى الله عليه و سلم ان يخوض معهم معارك حربية غزوة بني النضير ، و غزوة بني قريظة ، وغزوة خبير و غيرها .... وقد قتل والد صفية حيي بن اخطب في غزوة بني قريظة ، وقتل زوجها كنانة بن الربيع بن أبى حقيق في معركة خيبر ، و لهذا كان صلى الله عليه و سلم من ابغض الناس إليها . و السؤال الذي يطرح نفسه كيف استطاع النبي صلى الله عليه و سلم ان ينقل صفية من الكفر إلى الإيمان . و من اليهودية – و معروف تعصب اليهود لدينهم – إلى الإسلام ؟ و من امرأة كارهة له شديدة البغض لشخصه إلى امرأة يصبح النبي صلى الله عليه و سلم أحب إليها من أبيها و زوجها و الناس أجمعين.
اجتمع نساء النبي صلى الله عليه و سلم في مرضه الذي توفى فيه ، فقالت صفية : إني والله يا نبي الله لوددت ان الذي بك بى ، فغمز بها أزواجه فأبصرهن رسول الله صلى اله عليه و سلم .
فقال : " مضمضن "
فقلن من اى شئ ؟
فقال : " من تغامزكن بها ، والله إنها لصادقة " – أخرجه ابن سعد في الطبقات الكبرى و قال الحافظ بن الحجر في الإصابة ( 4/339 ) و سنده حسن -- .
الجواب على هذا التساؤل ان النبي صلى الله عليه و سلم سلك معا مسلكين :
المسلك الأول : انه صلى الله عليه و سلم أستعمل معها إسلوب الحوار و الإقناع ، يدل على ذلك قولها : (( فما زال يعتذر اليَّ ، و يقول : " يا صفية ان أباك ألب عليّ العرب وفعل وفعل " حتى ذهب ذلك من نفسي )) .
ان إسلوب الحوار و الإقناع لهما الأثر الفعال في تغيير المفاهيم و إعادة صياغة العقول و استمالة النفوس و تطيب القلوب .
لقد أوضح لها النبي صلى الله عليه سلم موقفه من أبيها و قومها و عرض لها ما قام به والدها من الجرائم و ما اقترف من آثام في حقه صلى الله عليه و سلم و حق المسلمين و لم يروا منه صلى الله عليه و سلم منذ مقدمه المدينة إلا كل خير.
المسلك الثاني: فهو حسن تعامل النبي صلى الله عليه و سلم مع صفية ولطيف معاشرته لها.
وكان لهذا المسلك عدة مظاهرة أجملها فيما يأتي :
1 – أحسن إليها لكونها بنت رجل له منزلته في قومه. فوالدها حيي بن اخطب كان سيد بني النضير من ذرية نبي الله هارون عليه السلام ، ووصف بأنه سيد الحاضر و البادي و سيد الحيين كليهما – أي بني النضير و بني قريظة – يحمهم في الحرب و يطعمهم في المحل = المغازي للواقدي ( 2/519 ) و ممن وصفه بهذا الوصف احد رجال اليهود المسمى بالزبير بن باطا = .
2 – لم يكرهها على الإسلام فقد عرض عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم الإسلام فقال: " إن تكوني على دينك لم نكرهك، فان اخترت الله و رسوله اتخذتك لنفسي " قالت: بل اختار الله و رسوله. = انظر المغازي للواقدي ( 2/707 ) = .
3 – اعتقها من العبودية .
4 – ورضيها ان تكون زوجته وهذا شرف ما بعده شرف إذ نالت الاختيار لقب : أم المؤمنين و أصبحت زوجة سيد المرسلين . ( عن انس بن مالك قال : سبى رسول الله صلى الله عليه و سلم صفية فاعتقها وتزوجها ) – رواه البخاري 4201 = .
5 – أكرمها بوليمة بعد ان تزوجها . ( يدل على ذلك ما جاء عن انس رضي الله عنه قال : " أقام النبي صلى الله عليه و سلم بين خيبر و المدينة ثلاث ليال ، و يُبنى عليه بصفية ، فدعوت المسلمين إلى وليمة ، و ما كان فيها من خبز و لحم ، و ما كان فيها إلا ان أمر بلالا بالأنطاع فبسطت فألقي عليها التمر و الإقط و السمن " – رواه البخاري 4213 - .
6 – حسن معاملته لها و رفقه بها: ( عن انس رضي الله عنه قال: " فرأيت رسول صلى الله عليه و سلم يُحوِّي لصفية بنت حيي وراءه بعباءة، ثم يجلس عند بعيره فيضع ركبته، و تضع صفية رجلها على ركبته حتى تركب. ) = رواه البخاري 4211= .
و تحدثنا صفية رضي الله عنها عن خلق رسول الله صلى الله عليه و سلم ( فتقول : ما رأيت أحدا قط أحسن خلقا من رسول الله صلى الله عليه سلم لقد رايته ركب بى في خيبر ، و أنا على عجز ناقته ليلا ، فجعلت انعس فتضرب راسي مؤخرة الرحل فيمسني بيده و يقول : " يا هذه مهلا " ) = السيرة الحلبية ( 2/750 ) =
7 – دفاعه عنها و تفخيم شأنها لكونها ذات شرف و نسب ، وزجر من يؤذيها : يدل على ذلك ما رواه انس رضي الله عنه قال : بلغ صفية ان حفصة قالت : بنت يهودي ، فبكت فدخل عليها النبي صلى الله عليه و سلم وهي تبكي .
فقال : " ما يبكيك " ؟
فقالت : قالت لي حفصة : إني بنت يهودي .
فقال النبي صلى الله عليه و سلم : " إنك لابنة نبي ، و ان عمك لنبي ، و انك لتحت نبي ، ففيم تفتخر عليك ؟ " ثم قال : " اتقى الله يا حفصة " . = أخرجه عبد الرزاق في مصنفه ( 20291 ) ، و من طريقه احمد بن حنبل ( 12392 ) ، و الترمذي ( 3894 ) ، وقال : حسن صحيح ، و ابن حبان ( 7211 ) و الحاكم ( 4/29 ) و الضياء في المختار ( 1793 ) .
و في رواية عن صفية بنت حيي قالت : دخل عليَّ رسول الله صلى الله عليه و سلم ، و قد بلغني عن حفصة و عائشة كلام ، فذكرت ذلك له .
فقال: " ألا قلت: فكيف تكونان خيرا مني، و زوجي محمد، و أبي هارون و عمي موسى ". و كأن الذي بلغها إنهم قالوا: نحن أكرم على رسول الله صلى الله عليه و سلم منها، و قالوا: نحن أزواج النبي صلى الله عليه و سلم و بنات عمه. = = رواه الترمذي ( 3892 ) قال : و في الباب عن انس ، و هذا حديث غريب لا نعرفه من حديث صفية إلا من رواية هاشم الكوفي ، و ليس إسناده بذلك . أخرجه الحاكم ( 4/29 ) = .
حكمة زواجه صلى الله عليه و سلم من صفية بنت حيي:
ولقد كان في هذا الزواج حكم كثيرة و أحكام تشريعية وفيرة ، و لا شك ان للإرادة الإلهية حكمة من هذا الزواج المبارك ، و قد ظهر ذلك من خلال رؤيا رأتها ، كانت بمثابة التمهيد لهذا الزواج و التحضير له :
عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: ورأى رسول الله صلى الله عليه و سلم بعين صفية خضرة، فقال: يا صفية ما هذه الخضرة ؟
فقالت : كان رأسي في حجر ابن حقيق ، و أنا نائمة ، فرأيت كأن قمرا وقع في حجري ، فأخبرته بذلك فلطمني ،
و قال: تمنين ملك يثرب. = أخرجه البيهقي ( 9/138 ) بسند صحيح .
و لعل من أعظم حِكَم هذا الزواج ان السيدة صفية نقلت لنا اعترافا خطيرا عن حبرين من أحبار يهود ، و قائدين من أعظم قادتهم و هما : أبوها حيي ، و عمها ابوياسر ، هذا الاعتراف الخطير :
( عن صفية إنها قالت: كنت أحب ولد أبي إليه، و إلى عمي أبي ياسر، لم ألقهما قط مع ولد لهما إلا أخذاني دونه.
قالت : فلما قدم رسول الله صلى الله عليه و سلم المدينة ونزل بقباء في بني عمرو بن عوف غدا عليه أبي حيي ، وعمي ابوياسر بن اخطب مفلسين .
قالت: فلم يرجعا حتى كانا مع غروب الشمس.
قالت : فأتيا كالّين كسلانين ساقطين يمشيان الهوينى .
قالت : فهششت إليهما كما كنت اصنع ، فوالله ما التفت إلى واحد منهما مع ما يهما من الغم .
قالت : سمعت عمي ابوياسر و هو يقول لأبي : أهو هو ؟
قال: نعم والله.
قال: أتعرفه وتثبته ؟
قال : نعم .
قال : فما في نفسك منه ؟
قال: عداوته و الله ما بقيت. ) = السيرة النبوية لابن هشام ( 1/518 ) = .
النموذج الثاني : أتباعه صلى الله عليه و سلم إسلوب الحوار و الإقناع مع السيدة عائشة رضي الله عنهما
عن عائشة رضي الله عنهما أنها قالت : - و هي تصف سفرا – و كان متاعي فيه خف ، و كان على جمل ناج ( اى مسرع ) ، و كان متاع صفية فيه ثقل ، و كان على جمل ثفال ( أي بطئ ثقيل لا ينبعث إلا كرها ) بطئ يتبطأ بالركب .
فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم: حولوا متاع عائشة على جمل صفية، وحولوا متاع صفية على جمل عائشة حتى يمضي الركب.
قالت عائشة: فلما رأيت ذلك قلت: يا لعباد الله، غلبتنا هذه اليهودية على رسول الله.
قالت : فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : " يا أم عبدالله : إن متاعك كان فيه خف ، وكان متاع صفية فيه ثقل ، فأبطأ بالركب ، فحولنا متاعها على بعيرك ، و حولنا متاعك على بعيرها .
فقالت: ألست تزعم انك رسول الله ؟
قالت : " فتبسم " .
قال : " أو في شك أنت يا أم عبدالله ؟
قالت : قلت : ألست تزعم انك رسول الله أفهلا عدلت ؟
و سمعني ابوبكر ، وكان فيه غرب – اى حدة – فأقبل فلطم وجهي .
فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : " مهلا يا ابابكر " .
فقال: يا رسول الله: أما سمعت ما قلت ؟
فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : " إن الغيرى لا تبصر أسفل الوادي من أعلاه "
وواضح من الحديث كيف ان النبي صلى الله عليه و سلم عالج هذه المشكلة عن طريق الحوار ، و بيّن لها السبب الذي دعاه إلى ان يتخذ القرار المذكور .
( رواه ابويعلى في مسنده – 8/4670- ، وقال الهيثمى في مجمع الزوائد – 4/322- رواه ابويعلى ، و فيه محمد بن إسحاق وهو مدلس ، و سلمه بن الفضل ، و قد وثقه جماعة : ابن معين و ابن حبان ، و ابوحاتم ، و ضعفه جماعة ، و بقية رجاله الصحيح .
و قد رواه أبو الشيخ بن حيان في كتاب الأمثال ، و ليس فيه غير أسامة بن زيد الليثي و هو من رجال الصحيح ، و فيه ضعف ، و بقية رجاله ثقات .
و قال الحافظ ابن الحجر في فتح الباري – 9/406 – و سنده لا بأس به ).
المبحث الرابع : إسلوب العظة و التذكير :
و من الأساليب التي استعملها النبي صلى الله عليه و سلم في معالجة الخلافات الزوجية إسلوب العظة و التذكير .
و يستعمل هذا الأسلوب في حال تقصي المرأة في أداء حق الله عليها، أو في أداء حقوق الزوج التي أوجبها الشرع له عليها.
و من نماذج وعظه صلى الله عليه و سلم لأهله ما جاء عن عائشة رضي الله عنها قالت: قلت للنبي صلى الله عليه و سلم حسبك من صفية كذا و كذا – تعني قصيرة -.
فقال صلى الله عليه و سلم: " لقد قلت كلمة لو مزجت بماء البحر لمزجته ".
قالت: وحكيت له إنسانا – أي بان افعل مثل فعله، أو أقول مثل قوله على وجه التنقيص -.
فقال : " ما أحب إني حكيت إنسانا ، و ان لي كذا وكذا " .= أخرجه احمد ( 24964 ) ، ( 25560 ) ، و ابو داود ( 4875 ) ، و الترمذي ( 2502 ) ، و قال حديث حسن صحيح .
ان الكلمة كائن حي عند الإنسان الواعي الذي فقه وجوده في هذه الحياة ، و فهم إبعاد علاقته مع خالقه و نفسه و مجتمعه .
و لذلك فقد أولى النبي صلى الله عليه و سلم الكلمة اهتماما بالغا ، فهو لا يفتأ يذكر الأمة بآثارها و ينبه العقول إلى إبعادها .
لقد قالت عائشة رضي الله عنها للنبي صلى الله عليه و سلم: حسبك من صفية كذا و كذا، و هي تحسب أنها قالت كلمة ليس لها ذلك الأثر الكبير في ميزان الأعمال عند الله.
فوعظها النبي صلى الله عليه و سلم و ذكَّرها و خوفها من عواقب هذه الكلمة التي نطقت بها بقوله : " لقد قلت كلمة لو مزجت بماء البحر لمزجته " اى خالطته مخالطة يتغير بها طعمه أو ريحه لشدة نتنها و قبحها .
في هذا الحديث ترهيبا شديدا لكل من تسول له نفسه فيلقي بالكلمة و هي مخالفة لمنهج الله غير عابئ بها ، و لا متفكر بمسؤوليته تجاهها .
و لو ان الزوجة ألقت لكل تقولها بالا ، و حسبت لها حسابا فلم تنطقها إلا بعد تفكير عميق لما تحدد من مواقف ، و تكشف عن مسؤوليات لتجنبتها اشد الاجتناب .
ان الزوجة المسلمة مطالبة بالأخذ بهذا التوجيه النبوي ، و الاهتمام كل الاهتمام بالمحافظة على لسانها ، لأنها مسئولة عن كل كلمة تنطق بها ، أليس قد قال صلى الله عليه و سلم : " إن العبد يتكلم بالكلمة من رضوان الله ما يلقي لها بالا ، يرفعه الله بها درجات ، و ان العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالا ، يهوى بها في جهنم " = رواه البخاري ( 6478) =.
و من نماذج إسلوب العظة و التذكير في المنهج النبوي عند وقوع الخلاف ما كان يفعله صلى الله عليه و سلم مع زوجه الصديقة عائشة رضي الله عنها ، بان يضع يده على انفها و يعلمها ان تلجأ إلى الله بالدعاء ليذهب غيظ قلبها ، و يجيرها من الشيطان ، و يعيذها من مضلات الفتن .
و لا شك ان الالتجاء إلى الله له اثر كبير في طمأنينة القلب ، وهدوء البال ، واليك نص الحديث عن عائشة رضي الله عنها قالت : دخل رسول الله صلى الله عليه و سلم وأنا غضبى ، فاخذ بطرف المفصل من انفي ، فعركه ثم قال : " يا عويش ، قولي اللهم اغفر لي ذنبي ، واذهب غيظ قلبي ،وأجرني من الشيطان " = أخرجه ابن السني في عمل اليوم و الليلة برقم ( 623 ) و قال الحافظ العراقي في تخريج إحياء علوم الدين ( 1/368 ) سنده ضعيف . قلت: لان فيه مسلمة بن على الخشني و هو ضعيف، انظر ترجمته في تهذيب الكمال ( 27/67 ) =.
وفي رواية كانت عائشة رضي الله عنها إذا غضبت عرك النبي صلى الله عليه وسلم بأنفها ثم يقول : " يا عويش ، قولي : اللهم رب محمد اغفر لي ذنبي ، واذهب غيظ قلبي ، وأجرني من مضلات الفتن " = أخرجه ابن السنى في عمل اليوم و الليلة برقم ( 456 ) عن القاسم بن محمد بن أبي بكر مرسلا = .
و في رواية: كان رسول الله صلى الله عليه و سلم إذا غضب على عائشة وضع يده على منكبها فقال: " اللهم اغفر لها ذنبها، و اذهب غيظ قلبها، و أعذها من مضلات الفتن " = أخرجه ابن عساكر في كتاب الأربعين في مناقب أمهات المؤمنين ص. 143 و فيه بقية بن الوليد وصف بالتدليس و قد عنعن . قلت : لكن الحديث بهذه المتابعات يتقوى ، و المرفوع منه له شاهد من حديث أم سلمة أخرجه احمد ( 26576 ) و نصه : " قالت : قلت : يا رسول الله ألا تعلمني دعوة أدعو بها لنفسي ؟ قال: بلى، قولي: اللهم رب النبي محمد، اغفر لي ذنبي، و اذهب غيظ قلبي، و أجرني من مضلات الفتن ما أحييتنا ". و قال الهيثمى في مجمع الزوائد إسناده حسن . = .
ومن المعلوم ان الوعظ من الأساليب القرآنية التي ارشد الحق تبارك و تعالى الزوج إلى تطبيقه عند الخوف من نشوز الزوجة و عصيانها ، فلا بأس ان استعرض ما قاله العلماء عن هذا الأسلوب التربوي في معالجة المشكلات و سأذكر هنا ما كتبه العلماء عن الوعظ الوارد في قوله تعالى : { فَعِظُوهُنَّ } :
قال الإمام القرطبي : ( أي فعظوهن بكتاب الله تعالى : أي ذكروهن ما اوجب الله عليهن من حسن الصحبة ، و جميل العشرة للزوج و الاعتراف بالدرجة التي له عليها ، و يذكرها أيضا بقول النبي صلى الله عليه و سلم : " لو أمرت أحدا ان يسجد لأحدٍ لأمرت المرأة ان تسجد لزوجها " = الجامع لأحكام القران 5/171 .= .
و قال الإمام الجصاص : في معنى ( فعظوهن ) يعني خوفوهن بالله و عقابه . = أحكام القران 2/189 = .
و قال الإمام الرازي : قال الشافعي أما الوعظ فانه يقول لها : اتقي الله فان لي عليك حقا ، و ارجعي عما أنت عليه ، و اعلمي ان طاعتي فرض عليك و نحو ذلك . " = تفسير الرازي 10/90 = .
و في تفسير الالوسي : ( فعظوهن ) أي فانصحوهن و قولوا لهن : اتقين الله و ارجعن عما انتن عليه ، و ظاهر الآية ترتب هذا على خوف النشوز ، و ان لم يقع و إلا لقيل نشزن . = تفسير الالوسي 5/24 = .
و في تفسير المنار : في معنى ( فعظوهن ) : إذا آنس الزوج من زوجته ما يخشى ان يؤول إلى الترفع وعدم القيام بحقوق الزوجية ، فعليه أولا ان يبدأ بالوعظ الذي يرى انه يؤثر في نفسها . و الوعظ يختلف باختلاف حال المرأة ، فمنهن من يؤثر في نفسها التخويف من الله عزوجل و عقابه على النشوز ، و منهن من يؤثر في نفسها التهديد و التحذير من سوء العاقبة في الدنيا ، كشماتة الأعداء ، و المنع من بعض الرغائب كالثياب الحسنة و الحلي ، و الرجل العاقل لايخفى عليه الوعظ الذي يؤثر في قلب امرأته. = تفسير المنار 5/72 =.
و قال ابن قدامة الحنبلي : " فمتى ظهرت منها - من الزوجة – أمارات النشوز فانه يعظها فيخوفها الله سبحانه و تعالى ، و يذكرها ما اوجب الله له عليها من الحق و الطاعة ، و ما يلحقها من الإثم بالمخالفة و المعصية ، و ما يسقط بذلك من حقوقها من النفقة و الكسوة ، و ما يباح له من ضربها و هجرها . " = المغني 7/46 =.
القول الراجح في وعظ الزوج زوجته :
( المفصل في أحكام المرأة و البيت المسلم للدكتور عبدا لكريم زيدان 7/313 ،314 ) :
" و الواقع ان الوعظ يجب ان يكون بالموعظة الحسنة ، قال الله تعالى : ( ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ) – النحل 125 –
و الموعظة الحسنة هي التي لا يخفى على من تعظه بأنك تناصحه بها و تقصد ما ينفعه فيها .
و على هذا يجب على الزوج ان يشعر زوجته في وعظه إياها انه يريد الخير لها ، و يقيها الضرر و الشر بسبب تقصيرها فيما أوجبه الله تعالى له عليها من حقوق .
فيذكرها بمعاني الإيمان التي تستلزم طاعة الله بامتثال أوامره و اجتناب ما نهى عنه ، و من ذلك ما أوجبه الله عليها من حقوق لزوجها ، فلا يجوز التفريط فيها ،لما يترتب على ذلك مما يسوؤها في الدنيا و الآخرة . كما ان الموعظة الحسنة يجب ان تثير عواطفها و أحاسيسها نحو زوجها شريك حياتها ، و انه لا يليق بها ان يصدر منها ما يزعجه و لا يسّره ، و ان العشرة بالمعروف هي شأن الزوجات القانتات الحافظات للغيب ، و ليس كثيرا عليها ان تكون واحدة منهن .
ثم ينبغي ان يكون وعظ الزوج زوجته سرا فيما بينه و بينها لا بحضور أهلها و لا بحضور أهله ، حتى لا يحصل تدخل من الغير فيما يخصهما ، فينتصر هذا الغير لأحدهما دون الأخر ، و الأمر لم يبلغ بعد إلى حد بعث الحكمين لفض النزاع و الشقاق .
ثم يجب ان يكون وعظ الزوج هينا لينا رقيقا خاليا من التعنيف و الغلظة و الشدة وروح الاستعلاء مفعمّا بالحب و إرادة الخير لها ، و إعادة الأمور إلى مجاريها الطبيعية السليمة التي ترضي الله .
كما على الزوج ان يذكرها بحق الأولاد – ان كان لهم أولاد – بأن لا يظهروا أمامهم بمظهر المختلفين المتنازعين .
كما عليه ان يذكرها بأن نشوزها وما يتبع ذلك من نفرة وخلاف سيفرح له الأعداء و الكارهون لها ، فلتفوت عليهم مقصدهم و ما يريدون .
و على كل حال فالوعظ المؤثر متروك لفطنة الزوج و حسن سياسته مع زوجته و عدم جرح شعورها بإظهار العنف و التسلط عليها.
و على هذا فما ذكره المفسرون و الفقهاء في المراد من ( فعظوهن ) مراد كله من الوعظ المطلوب ، و ان قال كل واحد منهم ، ما رآه كافيا للتنبيه إلى المعاني الأخرى المرادة من الوعظ ".
السلام عليكم رحمة الله و بركاته
و يواصل المؤلف حديث فى هذا المبحث عن اسلوب العتاب :
المبحث الخامس : إسلوب العتاب الشديد عند الغضب :
و من الأساليب التي رسول الله صلى الله عليه و سلم في معالجة الخلافات الزوجية إسلوب العتاب في موقف لا ينبغي ان يمر دونما حساب .
لقد أراد النبي صلى الله عليه و سلم من وراء ذلك ان يضع حدا لمشكلة طالما كررت و الحيلولة دون وقوعها مرة ثانية في بيته الكريم :
قالت عائشة رضي الله عنهما : كان رسول الله صلى الله عليه و سلم إذا ذكر خديجة لم يكد يسأم من ثناء عليها ، و استغفار لها ، فذكرها يوما ، فحملتني الغيرة ، فقلت : لقد عوضك الله من كبيرة السن .
قالت: فرايته غضب غضبا شديدا، أُسقطت في خلدي، وقلت في نفسي: اللهم إن أذهبت غضب رسولك عني لم أعد أذكرها بسوء ما بقيت.
فلما رأى النبي صلى الله عليه و سلم ما لقيت، قال: " كيف قلت ؟ والله لقد لآمنت بى إذ كذبني الناس ، و آوتني إذ رفضني الناس ، و رزقت مني الولد إذ حرمتموه مني " .
قالت : فغدا وراح عليَّ بها شهر " . = حديث حسن . أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (23/21 ) ورجاله ثقات سوى عبدالله البهي فقد قال عنه ابن سعد في الطبقات ( 6/296 ) كان ثقة معروفا قليل الحديث ،ووثقه ابن حبان ، بينما قال عنه ابو حاتم : لا يحتج بالبهي ، و هو مضطرب الحديث . انظر تهذيب الكمال للمزي 16/342 وقد حسنّ هذا الحديث الهيثمى في مجمع الزوائد 9/224 و الشامي في سبيل الهدى و الرشاد 11/158 ، و الشيخ شعيب الارنؤط في تعليقه على سير أعلام النبلاء 2/112 ، و قال و في المسند 24864 من طريق مجالد عن الشعبي عن مسروق عن عائشة خبر قريب من هذا وحسنه كذلك في تعليقه على المسند . و أصل الحديث مروي في صحيحي البخاري و مسلم و قد تقدم تخريجه في المبحث الثاني من القسم الأول تعامل النبي مع زوجاته في الجانب الإنساني = .
في هذا الحديث نجد ان النبي صلى الله عليه و سلم غضب غضبا شديدا من زوجه السيدة عائشة لأنها تعرضت لامرأة لها منزلتها في الإسلام و لها قدرها عند النبي صلى الله عليه و سلم .
أنها السيدة خديجة : سيدة نساء العالمين و هي أول من آمن به و صدقه ، و صدقه قبل كل احد وثبتت جأشه .
قال ابن الأثير : خديجة أول خلق الله اسلم بإجماع المسلمين ( أسد الغابة 7/78 ) لكن النبي صلى الله عليه و سلم لم يكتفي بموقفه الغاضب ، بل شرع يبين لها أسباب حبه للسيدة خديجة و ثنائه عليها ، فقال : " والله لقد آمنت بى إذ كذبني الناس ، و آوتني إذ رفضني الناس ، ورزقت مني الولد إذ حرمتموه مني " .
و هي صفات عظيمة اتصفت بها هذه السيدة الجليلة.
ولهذا كان النبي صلى الله عليه و سلم شديد الحب لها ، عظيم الوفاء معها حتى بعد وفاتها و من مظاهر هذا الوفاء انه كان صلى الله عليه و سلم إذا ذبح الشاة يقول : أرسلوا بها إلى أصدقاء خديجة " ( رواه مسلم 2435 ) .
وقد حقق هذا الأسلوب أهدافه، يدل على ذلك قول السيدة عائشة: وقلت والذي بعثك بالحق لا اذكرها بعد هذا إلا بخير. ( حديث حسن ، فقد رواه الطبراني في المعجم الكبير 23/23 من طريق عبدالله بن أبى نجيح عن عائشة . ورجاله ثقات .. )
قال الشاعر :
إذا ذهب العتاب فليس وُدٌّ = ويبقى الود ما بقي العتاب
( ينسب البيت لأبى تمام ، و لم أجده في ديوانه المطبوع ) .
المبحث السادس : إسلوب التروي و التثبت و التحقيق قبل إصدار الأحكام .
و من الأساليب التي استعملها النبي صلى الله عليه و سلم في معالجة المشكلات الزوجية إسلوب التروي و التثبت ، و التحقيق في المشكلة و التحقق منها قبل إصدار الحكم فيها .
و إذا كان هذا الأسلوب نافعا في كل الخلافات التي تعرض، و المشكلات التي تقع ضمن إطار الأسرة ن فانه لاشك يكون انفع و أهم في تلك المشكلات التي لها مساس بالأعراض.
و لهذا فقد تناولت في هذا المبحث بالدرس و التحليل حادثة من اخطر الحوادث التي تعرض لها بيت النبوة و كانت تمس الحياة الخاصة للنبي صلى الله عليه و سلم من قبل المنافقين.
و هي حادثة آلافك: تلك المحنة – محنة آلافك و البهتان – التي عرضت للسيدة الطاهرة أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها.
و سلطت الضوء على اسلوبه في معالجة هذه المشكلة ، فقد عالجها صلى الله عليه و سلم بأسلوب التروي و التثبت و التحقيق الهادئ فيها .
و توضيح هذا الجانب في غاية الأهمية إذ يعالج الأخطاء الشائعة في بعض البلاد الإسلامية في تعاملهم مع هذا الموضوع الحساس في حياتهم الزوجية .
حادثة آلافك نموذجا:
قبل الكلام عن هذه الحادثة لا بد لي من بيان أسباب هذا آلافك المفترى على السيدة الصديقة أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها من قِبل المنافقين، و بعض من غفل من المسلمين.
و لعل الدارس لهذه الحادثة الأليمة لا يجد لها سببا سوى الحقد على الإسلام، و ليس لها غاية سوى النيل من رسول الله صلى الله عليه و سلم و تفريق الناس عنه و بيان ذلك:
ان النبي صلى الله عليه و سلم خرج من معركة الأحزاب منتصرا ، وكان ذلك في نهاية السنة الخامسة من الهجرة ، و انتقل بذلك من حالة الدفاع إلى حالة الهجوم يدل على ذلك قوله صلى الله عليه و سلم : " الآن نغزوهم ، و لا يغزوننا ، نحن نسير إليهم " – رواه البخاري 4110 –
وواضح من هذه الكلمات ان النبي صلى الله عليه و سلم اتخذ خُطة جديدة في معركته مع أعدائه .
قال علماء السيرة : بعد قريظة تفرغ النبي صلى الله عليه و سلم لمعاقبة من ابدي حربه و اعتدى على المسلمين .
و كان من هذه المعارك التي خاضها النبي صلى الله عليه و سلم و خرج منها منتصرا " غزوة المصطلق " التي كانت ردا على الاعتداء الذي وقع منهم يوم احد حيث ساندوا جيش مشركي قريش آنذاك .
فما ان رأى المنافقون هذا الانتصار الكبير و قد خرج في هذه الغزوة جمع كبير منهم ( المغازي للواقدي 1/405 ) إلا بدأوا يخططون ، و يكيدون لينالوا من هذا الانتصار ، وينتقموا من صاحبه عليه أفضل الصلاة و السلام .
فكان من مكائدهم ذلك آلافك الذي رموا به السيدة عائشة رضي الله عنها في طريق عودتهم من تلك الغزوة لهلال رمضان من ست للهجرة.
" و لعل حادثة آلافك كانت معركة من أضخم المعارك التي خاضها النبي صلى الله عليه و سلم لكنه خرج منها منتصرا ، و لعل الآلام التي سببتها له تلك المحنة كانت من أعظم الآلام التي مرت به ، ولعل الخطر على الإسلام من تلك الفرية كان من اشد الإخطار التي تعرض لها في تاريخه " ( في ظلال القران 1/2501 بتصرف ) ، و لكن بحسب ما فيها من آلام و مخاطر و جروح وشرور ، كان فيها خير كثير للمسلمين في حاضرهم و مستقبلهم وصدق الله عندما قال : " إِنَّ الَّذِينَ جَاؤُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُم بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ "
وقد كشف البحث عن بعض وجوه الخيرية في هذه الحادثة، وذلك من خلال عشرين درسا تم استنباطها من ثنايا هذا الحدث الجلل.
ولهذا سوف أتناول هذه الحادثة بشئ من التفصيل ، وسأجعل ذلك في أربع فقرات هي :
أولا : الآيات الواردة في حادثة آلافك مع تفسيرها .
ثانيا: حادثة آلافك في الحديث النبوي مع التحليل و التخريج.
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد سفرا أقرع بين أزواجه ، فأيتهن خرج سهمها خرج بها رسول الله صلى الله عليه وسلم معه ، قالت عائشة : فأقرع بيننا في غزوة غزاها فخرج فيها سهمي ، فخرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ما أنزل الحجاب ، فكنت أحمل في هودجي وأنزل فيه ، فسرنا حتى إذا فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوته تلك وقفل ، ودنونا من المدينة قافلين ، آذن ليلة بالرحيل ، فقمت حين آذنوا بالرحيل ، فمشيت حتى جاوزت الجيش ، فلما قضيت شأني أقبلت إلى رحلي ، فلمست صدري فإذا عقد لي من جزع ظفار قد انقطع ، فرجعت فالتمست عقدي فحبسني ابتغاؤه ، قالت : وأقبل الرهط الذين كانوا يرحلون لي ، فاحتملوا هودجي فرحلوه على بعيري الذي كنت أركب عليه ، وهم يحسبون أني فيه ، وكان النساء إذ ذاك خفافا لم يهبلن ، ولم يغشهن اللحم ، إنما يأكلن العلقة من الطعام ، فلم يستنكر القوم خفة الهودج حين رفعوه وحملوه ، وكنت جارية حديثة السن ، فبعثوا الجمل فساروا ، ووجدت عقدي بعد ما استمر الجيش ، فجئت منازلهم وليس بها منهم داع ولا مجيب ، فتيممت منزلي الذي كنت فيه ، وظننت أنهم سيفقدوني فيرجعون إلي ، فبينا أنا جالسة في منزلي غلبتني عيني فنمت ، وكان صفوان بن المعطل السلمي ثم الذكواني من وراء الجيش ، فأصبح عند منزلي ، فرأى سواد إنسان نائم فعرفني حين رآني ، وكان رآني قبل الحجاب ، فاستيقظت باسترجاعه حين عرفني ، فخمرت وجهي بجلبابي ، والله ما تكلمنا بكلمة ، ولا سمعت منه كلمة غير استرجاعه ، وهوى حتى أناخ راحلته ، فوطئ على يدها ، فقمت إليها فركبتها ، فانطلق يقود بي الراحلة حتى أتينا الجيش موغرين في نحر الظهيرة وهم نزول ، قالت : فهلك من هلك ، وكان الذي تولى كبر الإفك عبد الله بن أبي ابن سلول . قال عروة : أخبرت أنه كان يشاع ويتحدث به عنده ، فيقره ويستمعه ويستوشيه . وقال عروة أيضا : لم يسم من أهل الإفك أيضا إلا حسان بن ثابت ، ومسطح بن أثاثة ، وحمنة بنت جحش ، في ناس آخرين لا علم لي بهم ، غير أنهم عصبة ، كما قال الله تعالى ، وإن كبر ذلك يقال له : عبد الله بن أبي ابن سلول . قال عروة ، كانت عائشة تكره أن يسب عندها حسان ، وتقول : أنه الذي قال : فإن أبي ووالده وعرضي *** لعرض محمد منكم وقاء . قالت عائشة : فقدمنا المدينة ، فاشتكيت حين قدمت شهرا ، والناس يفيضون في قول أصحاب الإفك ، لا أشعر بشيء من ذلك ، وهو يريبني في وجعي أني لا أعرف من رسول الله صلى الله عليه وسلم اللطف الذي كنت أرى منه حين أشتكي ، إنما يدخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم فيسلم ، ثم يقول : ( كيف تيكم ) . ثم ينصرف ، فذلك يريبني ولا أشعر بالشر ، حتى خرجت حين نقهت ، فخرجت مع أم مسطح قبل المناصع ، وكان متبرزنا ، وكنا لا نخرج إلا ليلا إلى ليل ، وذلك قبل أن نتخذ الكنف قريبا من بيوتنا ، قالت : وأمرنا أمر العرب الأول في البرية قبل الغائط ، وكنا نتأذى بالكنف أن نتخذها عند بيوتنا ، قالت : فانطلقت أنا وأم مسطح ، وهي ابنة أبي رهم ابن المطلب بن عبد مناف ، وأمها بنت صخر بن عامر خالة أبي بكر الصديق ، وابنها مسطح بن أثاثة بن عباد بن المطلب ، فأقبلت أنا وأم مسطح قبل بيتي حين فرغنا من شأننا ، فعثرت أم مسطح في مرطها فقالت : تعس مسطح ، فقلت لها : بئس ما قلت ، أتسبين رجلا شهد بدرا ؟ فقالت : أي هنتاه أو لم تسمعي ما قال ؟ قالت : وقلت : وما قال ؟ فأخرتني بقول أهل الإفك ، قالت : فازددت مرضا على مرضي ، فلما رجعت إلى بيتي دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم فسلم ، ثم قال : ( كيف تيكم ) . فقلت له : أتأذن لي أن آتي أبوي ؟ قالت : وأريد أن أستيقن الخبر من قبلهما ، قالت : فأذن لي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقلت لأمي : يا أمتاه ، ماذا يتحدث الناس ؟ قالت : يا بنية ، هوني عليك ، فوالله لقلما كانت امرأة قط وضيئة عند رجل يحبها ، لها ضرائر ، إلا أكثرن عليها . قالت : فقلت : سبحان الله ، أو لقد تحدث الناس بهذا ؟ قالت : فبكيت تلك الليلة حتى أصبحت لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم ، ثم أصبحت أبكي ، قالت : ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم علي ابن أبي طالب وأسامة بن زيد ، حين استلبث الوحي ، يسألهما ويستشيرهما في فراق أهله ، قالت : فأما أسامة أشار على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالذي يعلم من براءة أهله ، وبالذي يعلم لهم في نفسه ، فقال أسامة : أهلك ، ولا نعلم ألا خيرا . وأما علي فقال : يا رسول الله ، لم يضيق الله عليك ، والنساء سواها كثير ، وسل الجارية تصدقك . قالت : فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بريرة ، فقال : ( أي بريرة ، هل رأيت شيء يريبك ) . قالت له بريرة : والذي بعثك بالحق ، ما رأيت عليها أمرا قط أغمصه أكثر من أنها جارية حديثة السن ، تنام عن عجين أهلها ، فتأتي الداجن فتأكله ، قالت : فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم من يومه فاستعذر من عبد الله ابن أبي ، وهو على المنبر ، فقال : ( يا معشر المسلمين ، من يعذرني من رجل قد بلغني عنه أذاه في أهلي ، والله ما علمت على أهلي إلا خيرا ، ولقد ذكروا رجلا ما علمت عليه إلا خيرا وما يدخل على أهلي إلا معي ) . قالت : فقام سعد بن معاذ أخو بني عبد الأشهل فقال : أنا يا رسول الله أعذرك ، فإن كان من الأوس ضربت عنقه ، وإن كان من إخواننا من الخزرج ، أمرتنا ففعلنا أمرك . قالت : فقام رجل من الخزرج ، وكانت أم حسان بنت عمه من فخذه ، وهو سعد بن عبادة ، وهو سيد الخزرج ، قالت : وكان قبل ذلك رجلا صالحا ، ولكن احتملته الحمية ، فقال لسعد : كذبت لعمر الله لا تقتله ، ولا تقدر على قتله ، ولو كان من رهطك ما أحببت أن يقتل . فقام أسيد بن حضير ، وهو ابن عم سعد ، فقال لسعد بن عبادة : كذبت لعمر الله لنقتلنه ، فإنك منافق تجادل عن المنافقين . قالت فثار الحيان الأوس والخزرج ، حتى هموا أن يقتتلوا ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائم على المنبر ، قالت : فلم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يخفضهم ، حتى سكتوا وسكت ، فبكيت يومي ذلك كله لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم ، قالت : وأصبح أبوي عندي ، قد بكيت ليلتين ويوما ، ولا يرقأ لي دمع لا أكتحل بنوم ، حتى إني لأظن أن البكاء فالق كبدي ، فبينا أبواي جالسان عندي وأنا أبكي ، فاستأذنت علي امرأة من الأنصار فأذنت لها ، فجلست تبكي معي ، قالت : فبينا نحن على ذلك دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم علينا فسلم ثم جلس ، قالت : لم يجلس عندي منذ قيل ما قيل قبلها ، وقد لبث شهرا لا يوحى إليه في شأني بشيء ، قالت : فتشهد رسول الله صلى الله عليه وسلم حين جلس ، ثم قال : ( أما بعد ، ياعائشة ، إنه بلغني عنكك كذا وكذا ، فإن كنت بريئة ، فسيبرئك الله ، وإن كنت ألممت بذنب ، فاستغفري الله وتوبي إليه ، فإن العبد إذا اعترف ثم تاب ، تاب الله عليه ) . قالت : عائشة : فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم مقالته قلص دمعي حتى ما أحس منه قطرة ، فقلت لأبي : أجب رسول الله صلى الله عليه وسلم عني فيما قال ، فقال أبي : والله ما أدري ما أقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقلت لأمي : أجيبي رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما قال ، قالت أمي : والله ما أدري ما أقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقلت : وأنا جارية حديثة السن لا أقرأ من القرآن كثيرا : إني والله لقد علمت : لقد سمعتم هذا الحديث حتى استقر في أنفسكم وصدقتم به ، فلئن قلت لكم : إني بريئة ، لا تصدقوني ، ولئن اعترفت لكم بأمر ، والله يعلم أني منه بريئة ، لتصدقني ، فوالله لا أجد لي ولكم مثلا إلا أبا يوسف حين قال : { فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون } . ثم تحولت واضطجعت على فراشي ، والله يعلم أني حينئذ بريئة ، وأن الله مبرئي ببراءتي ، ولكن والله ما كنت أظن أن الله منزل في شأني وحيا يتلى ، لشأني في نفسي كان أحقر من أن يتكلم الله في بأمر ، ولكني كنت أرجو أن يرى رسول الله صلى الله عليه وسلم في النوم رؤيا يبرئني الله بها ، فوالله ما رام رسول الله صلى الله عليه وسلم مجلسه ، ولا خرج أحد من أهل البيت ، حتى أنزل عليه ، فأخذه ما كان يأخذه من البرحاء ، حتى إنه ليتحدر منه العرق مثل الجمان ، وهو في يوم شات ، كم ثقل القوم الذي أنزل عليه ، قالت : فسرى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يضحك ، فكانت أو كلمة تكلم بها أن قال : ( يا عائشة ، أما والله فقد برأك ) . فقالت لي أمي : قومي إليه ، فقلت : والله لا أقوم إليه ، فإني لا أحمد إلا الله عز وجل ، قالت : وأنزل الله تعالى : { إن الذين جاؤوا بالإفك عصبة منكم } . العشر الآيات ، ثم أنزل الله هذا في براءتي ، قال أبو بكر الصديق ، وكان ينفق على مسطح بن أثاثة لقرابته منه وفقره : والله لا أنفق على مسطح شيئا أبدا ، بعد الذي قال لعائشة ما قال . فأنزل الله : { ولا يأتل أولوا الفضل منكم - إلى قوله - غفور رحيم } . قال أبو بكر الصديق : بلى والله إني لأحب أن يغفر الله لي ، فرجع إلى مسطح النفقة التي ينفق عليه ، وقال : والله لا أنزعها منه أبدا ، قالت عائشة : وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم سأل زينب بنت جحش عن أمري ، فقال لزينب : ماذا علمت ، أو رأيت ) . فقالت : يا رسول الله أحمي سمعي وبصري ، والله ما علمت إلا خيرا ، قالت عائشة : وهي التي كانت تساميني من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم فعصمها الله بالورع . قالت : وطفقت أختها تحارب لها ، فهلكت فيمن هلك . قال ابن شهاب : فهذا الذي بلغني من حديث هؤلاء الرهط . ثم قال عروة : قالت عائشة : والله إن الرجل الذي قيل له ما قيل ليقول : سبحان الله ، فوالذي نفسي بيده ما كشفت من كنف أنثى قط ، قالت : ثم قتل بعد ذلك في سبيل الله . الراوي: عائشة - خلاصة الدرجة: صحيح - المحدث: البخاري - المصدر: الجامع الصحيح - الصفحة أو الرقم: 4141
الدروس المستفادة من حادثة آلافك
الدرس الأول:
في حادثة آلافك نطلع على إسلوب من أساليبه صلى الله عليه و سلم في معالجة الخلافات الزوجية ، و المشكلات الأسرية ، لا سيما تلك التي لها مساس بالأعراض .
و هكذا و من خلال ما تقدم رأينا حكمة النبي صلى الله عليه و سلم في معالجة مشكلة ليس لها من سبب سوى الحقد على الإسلام، و ليس لها من غاية سوى النيل من رسول الله صلى الله عليه و سلم و تفريق الناس عنه.
و قد اتبع عليه الصلاة و السلام في معالجتها إسلوب التروي ، و عدم التعجل و التحقيق الهادئ ليكون قراره في ذلك عادلا ، مع المحافظة التامة على كرامة زوجته من أن تخدش ، وكرامة أهلها من ان تمس ، وتلك حكمة بالغة من النبي صلى الله عليه و سلم في تعامله مع مثل هذه الأمور .
الدرس الثاني:
و نتعلم من حادثة آلافك درسا تربويا في الطريقة المثلى التي يجب إتباعها في التعامل مع المشكلات الزوجية التي لها مساس بالأعراض .
فكيف تعامل النبي صلى الله عليه و سلم مع هذا الحدث الجلل تربويا
و نتعلم من حادثة آلافك درسا تربويا في الطريقة المثلى التي يجب إتباعها في التعامل مع المشكلات الزوجية التي لها مساس بالأعراض .
فكيف تعامل النبي صلى الله عليه و سلم مع هذا الحدث الجلل تربويا ؟
الدارس لوقائع هذه الحادثة يجد ان النبي صلى الله عليه و سلم قد غيَّر من اسلوبه في تعامله مع زوجه عائشة مما أشعرها بان شيئا ما قد حدث لكنها لا تدرى ما هو ؟ فلم يعد يجلس عندها ، و لم تعد ترى منه ذلك اللطف الذي كانت تراه منه لا سيما في حالة المرض .
تقول رضي الله عنها : " فقدمت المدينة فاشتكيت حين قدمنا شهرا ، و الناس يفيضون في قول أهل الإفك ، و لم أشعر بشئ من ذلك ، و هو يريينى في وجعي إني لا اعرف من رسول الله صلى الله عليه و سلم اللطف الذي كنت أرى منه حين اشتكي ، إنما يدخل رسول الله صلى الله عليه و سلم فيسلم ، ثم يقول : "كيف تيكم ؟ " فذاك يريبني و لا أشعر بالشر ..."
و قد بقيت على هذا الحال شهرا كاملا و لم تدر ما حدث إلا في الأيام الأخيرة ، و قد أخبرتها بذلك أم مسطح عندما خرجت معها قبل المناصع ، فلما رجعت الى بيتها قالت للنبي صلى الله عليه و سلم أتأذن لي أن آتي أبوي ؟ فأذن لها فذهبت الى أهلها لتستيقن من الخبر، و تخفف عن نفسها شيئا من عظيم ما ألَّم بها ، ووقع عليها . و لكن متى حدث هذا الذهاب ؟
أكثر الروايات على ان ذلك حدث في الأيام الأخيرة ، بل جاء تحديد ذلك بيومين و ليلتين ، و ان ذلك حدث في بيت أهلها ، قالت السيدة عائشة رضي الله عنها و هي تصف ما حدث بعد ان تأكدت من الخبر من والدتها- : ط وقد بكيت ليلتين و يوما لا يرقأ لي دمع و لا اكتحل بنوم حتى إني لأظن أن البكاء فالق كبدي " .
أما اليوم الأخير من البكاء فهو يوم البراءة تقول السيدة عائشة : و أصبح أبواي عندي ، فبينما أبواي جالسان عندي ، و أنا ابكي فاستأذنت عليَّ امرأة من الأنصار فأذنت لها فجلست تبكي معي قالت : فبينما نحن على ذلك دخل رسول الله صلى الله عليه و سلم فسلم فجلس ، فقالت : و لم يجلس عندي منذ قيل لي ما قيل و قد لبثت و قد لبث شهرا لا يوحي اليه في شأني بشئ .."
و مما يؤكد ان ذلك كان في بيت أهلها ما جاء في رواية معمر عند الطبري : ثم أتاني رسول الله صلى الله عليه و سلم و أنا في بيت أبوي...... "
و هذا الموقف من النبي صلى الله عليه و سلم يدل على حكمته البليغة في تعامله مع هذا الحادث الجلل فهو صلى الله عليه و سلم لم يعتزلها اعتزالا كليَّا ، لأن الاعتزال عقوبة على مخالفة ، و لم تثبت أية مخالفة تستحق عليها الاعتزال ، و الهجران ....، و هو صلى الله عليه و سلم لم يعاملها بالطريقة التي كان يعاملها بها قبل شيوع حادث الإفك ، و قالة السوء ، ليشعرها بأن شيئا ما قد حدث ، و يحتاج الى تحقيق فيه للكشف عن الحقيقة .
و هذا الموقف بحد ذاته درس تربوي نتعلم منه كيف نتعامل مع الأشخاص الذين يشاع عنهم شائعات الافتراء و يذاع عنهم كلمات الزور و البهتان ن فلا بد من الحذر الشديد ، و عدم التسرع في إطلاق الأحكام ، و اتخاذ المواقف المعادية من غير ما حجةٍ واضحة أو دليل صحيح .
قال الحافظ ابن حجر : " و فيه – اى حديث الإفك – من الفوائد : ملاطفة الزوجة ، و حسن معاشرتها ، و التقصير من ذلك عند إشاعة ما يقتضي النقص و إن لم يتحقق .
و فائدة ذلك : ان تتفطن لتغيير الحال فتعتذر أو تعترف .
و فيه: - أي حديث الإفك – من الفوائد : إشارة الى مراتب الهجران بالكلام و الملاطفة ، فإذا كان السبب – اى سبب الهجران – محققا فيترك – أي الكلام – أصلا ، و ان كان مظنونا فيخفف ، و ان كان مشكوكا فيه أو محتملا فيحسن التقليل منه لا للعمل بما قيل بل لئلا يظن بصاحبه عدم المبالاة بما قيل في حقه ، لأن ذلك من خوارم المروءة " .
الدرس الثالث: و نتعلم من حادثة الإفك درسا في التحقيق القضائي:
ففي هذه الحادثة نجد ان النبي صلى الله عليه و سلم تعامل معها تعاملا دقيقا و اتخذ خطوات مدروسة في سبيل الكشف عن الحقيقة فيما يشاع ويذاع في اخطر قضية يتعرض لها البيت النبوي .
قال الحافظ ابن الحجر: ( وفى الحديث من الفوائد: البحث عن الأمر القبيح إذا أشيع، و تعرف صحته بالتنقيب على ما قيل فيه، هل وقع منه قبل ذلك ما يشبهه أو يقرب منه.واستصحاب حال من أتهم بسوء إذا كان قبل ذلك معروفا بالخير إذا لم يظهر عنه بالبحث ما يخالف ذلك ) –فتح الباري 10/497 -.
فقد اخذ رسول الله صلى الله عليه و سلم يتحرى عن حقيقة هذه الإشاعة ، ويسأل في سرية تامة عن أخلاق عائشة وسلوكها ، وهل رئى عليها شئ ؟ فكانت شهادات الجميع لها بالاستقامة و الخلق و التقوى .
و سأذكر نصوص التحقيق الذي أجراه النبي صلى الله عليه و سلم مع رجلين من أقرب المقربين اليه من أصحابه و ثلاثة من النساء ممن لهن صلة بعائشة .
أما الرجلان فهما الإمام على بن أبى طالب وأسامة بن زيد رضي الله عنهما .
أما النساء اللاتي سألهن رسول الله صلى الله عليه و سلم عن أمر عائشة فهن:
أم المؤمنين زينب بنت جحش رضي الله عنها.
أم أيمن رضي الله عنها .
الخادمة بريرة رضي الله عنها .
– أما الرجلان فهما على بن أبى طلب و أسامة بن زيد رضي الله عنهما :
جاء في حديث عائشة رضي الله عنها : ( ودعا رسول الله صلى الله عليه و سلم على بن أبي طالب و أسامة بن زيد حين استلبث الوحي يستشيرهما في فراق أهله ، قالت : " فأما أسامة بن زيد فأشار على رسول الله صلى الله عليه و سلم بالذي يعلم من براءة أهله و بالذي يعلم في نفسه لهم من الود ، فقال : يا رسول الله ، هم اهلك و لا نعلم إلا خيرا .
و أما على بن أبى طالب فقال : لم يضيق الله عزوجل عليك ، و النساء سواها كثير " . و لكنه كان منصفا عند ما حول القضية الى الجارية لعلمه بملازمتها لعائشة و اطلاعها على شؤونها و أحوالها فقال له : " و إن تسأل الجارية تصدقك – يعني بريرة . )
قال ابن القيم رحمه الله تعالى : " ثم استشار أصحابه في فراقها فأشار عليه علي رضي الله عنه ان يفارقها ، و يأخذ غيرها تلويحا لا تصريحا . و أشار عليه أسامة و غيره بإمساكها ، و ألا يلتفت الى كلام الأعداء .
فعلي لما رأى ان ما قيل مشكوك فيه ، أشار بترك الشك و الريبة الى اليقين ليتخلص رسول الله صلى الله عليه و سلم من الهم و الغم الذي لحقه من كلام الناس ، فأشار بحسم الداء .
و أسامة لما علم حب رسول الله صلى الله عليه سلم لها و لأبيها ، وعلم من عفتها وبراءتها ، وحصانتها وديانتها ما هي فوق ذلك ، و أعظم منه ، وعرف من كرامة رسول الله صلى الله عليه و سلم على ربه ومنزلته عنده ، ودفاعه عنه ، أنه لا يجعل ربة بيته وحبيبته من النساء ، وبنت صدِّيقه بالمنزلة التي انزلها به أرباب الإفك ، وان رسول الله صلى الله عليه و سلم أكرم على ربه ، و أعز عليه من ان يجعل تحته امرأة بغيَّا ، وعلم ان الصديقة حبيبة رسول الله صلى الله عليه و سلم أكرم على ربها من ان يبتليها بالفاحشة ، و هي تحت رسوله " –زاد المعاد3/233-
وقال الشيخ ابو محمد بن أبي جمرة : ( لم يجزم على بالإشارة بفراقها ، لأنه عقب ذلك بقوله : " وسل الجارية تصدقك " ففوض الأمر في ذلك الى نظر النبي صلى الله عليه و سلم فكأنه قال : إن أردت تعجيل الراحة ففارقها ، و ان أردت خلاف ذلك فابحث عن حقيقة الأمر الى أن تطلع على براءتها. لأنه كان يعلم ان بريرة لا تخبره إلا بما علمته وهي لم تعلم من عائشة إلا البراءة المحضة ) – فتح الباري 10/480 - .
وهذا الذي قاله الشيخ أبى جمرة هو التفسير السليم لموقف سيدنا علي بن أبى طالب رضي الله عنه من هذه الحادثة ، إذ كان رضي الله عنه مسلِّما في شأنها لأمر رسول الله صلى الله عليه و سلم ، وموقفه هذا لا يختلف عن موقف الصديق والد السيدة عائشة كما سياتى بيانه ، يدل على ذلك ما رواه البخاري في صحيحه : ان الزهري قال : قال لي الوليد بن عبدا لملك : أبلغك ان عليا كان فيمن قذف عائشة ؟ قلت : لا ، ولكن أخبرني رجلان من قومك – ابو سلمة بن عبدا لرحمن ، و ابو بكر بن عبدا لرحمن بن الحارث – ان عائشة قالت كان على مسلمًا في شأني " .
و أما النساء اللاتي سألهن رسول الله صلى الله عليه و سلم عن أمر عائشة فهن:
أما النساء اللاتي سألهن رسول الله صلى الله عليه و سلم عن أمر عائشة فهن:
الأولى: أم المؤمنين زينب بنت جحش رضي الله عنها .
قالت:عائشة رضي الله عنها : وكان رسول الله صلى الله عليه و سلم سأل زينب بنت جحش ن زوج النبي صلى الله عليه و سلم عن أمري : ما علمِتِ أو ما رأيت أوما بلغك ؟ قالت : يا رسول الله أحمي سمعي وبصري ، والله ما علمت إلا خيرا .
قالت عائشة رضي الله عنها : وهي التي كانت تساميني من أزواج النبي صلى الله عليه و سلم فعصمها الله عزوجل بالورع " . و معنى تساميني : اى تطلب من العلو و الرفعة و الحظوة عند النبي صلى الله عليه و سلم ما أطلب ، أو تعتقد الذي لها عنده مثل الذي لي عنده .
وهي شهادة نفيسة قيمة لكونها صدرت من امرأة تعد من اشد المنافسات لها عند النبي صلى الله عليه و سلم.
الثانية: أم أيمن رضي الله عنها:
قالت عائشة رضي الله عنها : ثم سأل رسول الله صلى الله عليه و سلم أم أيمن فقالت : حاشى سمعي وبصري ان أكون علمت أو ظننت بها قطُّ إلا خيرا "
وأم أيمن هذه مولاة رسول الله صلى الله عليه وسلم وحاضنته ، و اسمها بركة بنت ثعلبة ، وهي حبشية فأعتقها عبدالله ابو رسول الله صلى الله عليه و سلم وأسلمت قديما أول الإسلام ، وهاجرت الى الحبشة و الى المدينة ،وبايعت رسول الله صلى الله عليه و سلم ، وتزوجها زيد بن حارثة الحبشي فولدت له أسامة ، وكان صلى الله عليه و سلم يقول : أم أيمن أمي بعد أمي ، وكان يزورها في بيتها ، وكان ابو بكر و عمر يزورانها في منزلها .
الثالثة : الخادمة بريرة :
قالت السيدة عائشة : فدعا رسول الله – صلى الله عليه وسلم – بريرة قال : (( أي بريرة ، هل رأيت من شيء من عائشة يريبك ؟ )) قالت له بريرة : والذي بعثك بالحق إن رأيت عليها أمراً قط أغمصه – أي أعيبه – عليها أكثر من أنها جارية حديثة السن ، تنام عن عجينها فتأتي الداجن – أي الشاة – فتأكله . وفي رواية قال لها (( أتشهدين أني رسول الله ؟ )) قالت : نعم . قال (( فإني سأسلك عن شيء فلا تكتميه )) قالت: نعم. قال : (( هل رأيت من عائشة ما تكرهينه ؟ )) قالت : لا .
وفي رواية فقالت: لا والله ما علمت عليها عيباً إلا أنها كانت ترقد حتى تدخل الشاة فتأكل عجينها. وانتهرها بعض الصحابة فقال: اصدقي رسول الله – صلى الله عليه وسلم – حتى أسقطوا لها به – أي صرحوا لها بالأمر – قال عروة: فعيب ذلك على من قاله. فقالت : سبحان الله ! والله ما علمت عليها إلا ما يعلم الصائغ على تبر الذهب الأحمر )).
وفي رواية: والله لعائشة أطيب من الذهب، ولئن كانت صنعت ما قال الناس ليخبرنك الله به، قالت: فعجب الناس من فقهها.
وهي أيضاً شهادة قيمة من امرأة وثيقة الصلة بعائشة لأنها كانت تخدمها.
وقد أجادت كل الإجادة في نفي العيب عن السيدة عائشة لاسيما عندما قالت: (( لا والله ما علمت عليها عيباً إلا أنها كانت ترقد حتى تدخل الشاة فتأكل عجينها )).
قال ابن المنير: (( وهذا من الاستثناء البديع الذي يراد به المبالغة في نفي العيب، فغفلتها عن عجينها أبعد لها من مثل الذي رميت به و أقرب إلى أن تكون من الغافلات المؤمنات )).
وقد ظهر كمال فقهها عندما أحالت الموضوع إلى الوحي بعد أن شهدت لها بالبراءة، ولهذا عجب الناس من فقهها.
أما ما وقع في رواية ابن إسحاق من أن عليا رضي الله عنه ضربها فهي رواية مرجوحة ، إذ أن الروايات الكثيرة في حديث الإفك لم تذكر ذلك ، ولعله انتهرها ففسر ذلك بعض الرواة بالضرب ، يدل على ذلك ما جاء في رواية هشام بن عروة : (( فانتهرها بعض أصحابه .. )) .
ثم رأيت الإمام السهيلي رحمه الله قد استبعد الضرب أيضاً وذلك عندما قال : (( و أما ضرب علي للجارية ، وهي حرة ، ولم تستوجب ضرباً ، ولا استأذن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – في ضربها فأرى معناه : أنه غلظ لها بالقول ، وتوعدها بالضرب .. )) .- الروض الانف 4/20 -
هكذا أجرى رسول الله – صلى الله عليه وسلم – تحقيقاً هادئاً مع خمسة من أصحابه فقد اختار عليه الصلاة والسلام رجلين من أصحابه الشباب ، واختياره – صلى الله عليه وسلم – لهذين الشابين لكون الأول قريباً له ، وكون الثاني مقرباً من الأسرة النبوية حفاظاً على السرية التامة وهو اختيار دقيق .
قال الحافظ ابن حجر : (( والعلة في اختصاص علي و أسامة بالمشاورة : أن علياً كان عنده كالولد ، لأنه رباه من صغره ثم لم يفارقه ، بل وزاد اتصاله بتزويج فاطمة ، فلذلك كان مخصوصاً بالمشاورة فيما يتعلق بأهله لمزيد إطلاعه على أحواله أكثر من غيره .
وأما أسامة: فهو كعلي في طوال الملازمة ومزيد الاختصاص والمحبة، ولذلك كانوا يطلقون عليه أنه حب رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وخصه دون أبيه وأمه لكونه كان شاباً، وإن كان علي أسن منه. وذلك أن للشاب من صفاء الذهن ما ليس لغيره ، ولأنه أكثر جرأة على الجواب بما يظهر له من المسن ، لأن المسن دائماً يحسب العاقبة فربما أخفى بعض ما يظهر له رعاية للقائل مرة ، والمسؤول عنه أخرى )) . - فتح الباري 10/480 -
وكذا اختار من النساء امرأتين: الأولى من داخل الأسرة النبوية وهي السيدة زينب بنت جحش أم المؤمنين، والثانية: من خارج الأسرة النبوية ولكنها مقربة منها جداً وهي أم أيمن –رضي الله عنها –.
واختياره للجارية كونها قريبة منها، ومطلعة على أمورها وشؤونها.
ولا شك أن هذا الاختيار يدل على حكمة النبي – صلى الله عليه وسلم – وكمال فطنته في تعامله مع القضايا التي لها مساس بالأعراض.
وبعد إجراء هذا التحقيق السري الهادئ أشار النبي – صلى الله عليه وسلم – إلى النتائج، وأن الاتهام لا يعدو أمراً مدبراً يقف وراءه المنافقون وفي مقدمتهم رأس النفاق عبد الله بن أُبيّ، وبعض من غفل من المسلمين.
وها هو رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يصعد المنبر ويقول : (( يا معشر المسلمين ، من يعذرني في رجل قد بلغني أذاه في بيتي فوالله ما علمت على أهلي إلا خيراً ، ولقد ذكروا رجلاً ما علمت عليه إلا خيراً ، وما كان يدخل على أهلي إلا معي )) .
ولكن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – لم يصرح باسم المتهم حفاظاً على وحدة المجتمع الإسلامي من التمزق ، يدل على ذلك اختلاف الأوس والخزرج حول معاقبة من قام بهذه الإشاعة .
بدليل ما جاء في الحديث فثار الحيان : الأوس والخزرج ، حتى هموا أن يقتتلوا ورسول الله – صلى الله عليه وسلم – قائم على المنبر ، فلم يزل رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يخفضهم حتى سكتوا وسكت .
ومما يلفت النظر هنا أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – رغم توصله إلى براءة السيدة عائشة إلا أنه ظل ينتظر نزول الوحي ليكون قراره قاطعاً وما ذلك إلا لأن هذا الأمر يتعلق به – صلى الله عليه وسلم –.
قال الشيخ ابن أبي جمرة – رحمه الله – : وفيه – أي في حديث الإفك من الفوائد – أن النبي – صلى الله عليه وسلم – كان لا يحكم لنفسه إلا بعد نزول الوحي ؛ لأنه – صلى الله عليه وسلم – لم يجزم في القصة بشيء قبل نزول الوحي .
و مع ذلك فقد تأخر نزول الوحي ، تقول السيدة عائشة : " وقد لبثت شهرا لا يوحى اليه في شأتي شئ" فما السر فى تأخر نزول الوحي ؟
هذا ما سنعلمه في الدرس الآتي.
الدرس الرابع : وفي تأخر نزول الوحي حكم بالغة لعل من أهمها بأن الله سبحانه وتعالى أراد أن يعلم الأمة من خلال هذه الحادثة كيف يتعاملون مع مثل هذه الحوادث الحساسة ، حفاظاً على الأسرة المسلمة من التصدع والانهيار ، ومن ثم حفاظاً على المجتمع الإسلامي من أن تفتك به مثل هذه الإشاعات المغرضة لاسيما إذا تعلقت بالأعراض .
قال الشيخ ابن القيم رحمه الله : (( واقتضى تمام الامتحان والابتلاء أن حبس عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – الوحي شهراً في شأنها ، وما ذاك إلا لأن الله سبحانه وتعالى أحب أن يظهر منزلة رسوله و أهل بيته عنده ، وكرامتهم عليه ، و أن يخرج رسوله عن هذه القضية ويتولى هو بنفسه الدفاع والمنافحة عنه ، والرد على أعدائه ، وذمهم وعيبهم بأمر لا يكون له فيه عمل ولا ينسب إليه ، بل يكون هو وحده المتولي لذلك الثائر لرسوله وأهل بيته )) .
وهكذا بعد التحقيق السري الهادئ وبعد توصله – صلى الله عليه وسلم – إلى أن هذا الاتهام لا يعدو أن يكون من الشائعات المغرضة أتى رسول الله – صلى الله عليه وسلم – أهله ، تقول السيدة عائشة : (( ثم أتاني رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وأنا في بيت أبوي )) .
(( فبينما هما جالسان عندي وأنا أبكي ، استأذنت علي امرأةٌ من الأنصار فأذنت لها ، فجلست تبكي معي ، فبينما نحن على ذلك ، دخل علينا رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فسلم ثم جلس ، قالت : فتشهد رسول الله – صلى الله عليه وسلم – حين جلس ثم قال : (( أما بعد ، يا عائشة فإنه بلغني عنك كذا وكذا فإن كنت بريئة فسيبرئك الله عز وجل ، وإن كنت ألمت بذنب فاستغفري الله ثم توبي إليه ، فإن العبد إذا اعترف بذنب ثم تاب تاب الله عليه )) .
إن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – في هذا الموقف يريد من عائشة جواباً قاطعاً في ما اتهمت به؛ فماذا كان جوابها ؟
قالت : إني والله قد عرفت أنكم قد سمعتم بهذا حتى استقر في أنفسكم ، حتى كدتم أن تصدقوا به ، ولئن قلت أني بريئة – والله عز وجل يعلم أني بريئة – لا تصدقوني بذلك ، ولئن اعترفت لكم بأمر – والله عز وجل يعلم أني بريئة – تصدقوني ، وإني والله ما أجد لي ولكم إلا كمال قال أبو يوسف : {فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ } ( يوسف : 18 )
إن هذا الجواب يدل على مدى فهم السيدة عائشة ، ومدى صدقها ، ومدى إحساسها بالمسؤولية الملقاة عليها في مثل هذا الأمر الجلل .
تقول السيدة عائشة : (( فوالله ما رام رسول الله – صلى الله عليه وسلم – مجلسه ولا خرج من أهل البيت أحد حتى أنزل الله عز وجل على نبيه ... )) .
فلما سري عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وهو يضحك فكان أول كلمة تكلم بها أن قال: (( أبشري يا عائشة، أما الله عز وجل قد برأك )).
ولكن كيف استقبلت السيدة عائشة هذا الخبر ؟
لقد قالت لها أمها : قومي إليه ، فقالت : والله لا أقوم إليه ، ولا أحمد إلا الله عز وجل ، هو الذي أنزل براءتي )) .
وهكذا تفعل الشدائد بأهلها، وإن حمد رسول الله – صلى الله عليه وسلم – من حمد الله ولكن عائشة من فرحها بهذه النعمة أبت أن تحمد إلا الله فقط. إن حبها له – صلى الله عليه وسلم – ، وعلمها بحبه لها دفعها ألا تتوقع مثل هذا الإجراء الذي قام به رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ، ولكن هنا يثار التساؤل الآتي : لماذا لم يجزم رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ببراءتها ، ولماذا أجرى مثل هذا التحقيق ؟
إن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – كان يحبها ، ومن حبه لها أجرى هذا التحقيق ، وذلك من أجل حمايتها من الشائعات التي مانت تستهدف شخص رسول الله – صلى الله عليه وسلم – متمثلاً بأهله ، وتستهدف دعوة النبي – صلى الله عليه وسلم – وهذا الدين الذي جاء به عن طريق استهداف أسرته ، فالدفاع إذن عنها دفاع عن الإسلام ودفاع عن شخص النبي عليه الصلاة والسلام .
لقد أراد النبي – صلى الله عليه وسلم – أن يظهر براءة الصديقة رضي الله عنها ظهور الشمس في رابعة النهار ، ويحسم القيل والقال ، بحيث لا يبقى فيه خفاء عند أحد من أصحابة الكرام رضوان الله عليهم .
وحسن الظن هنا لا يحسم ما أشاعه المبطلون، وخاض فيه الخائضون، فتتبعه رسول الله – صلى الله عليه وسلم – لهذا الأمر، وتحقيقه فيه وتحقيقه فيه، وتحققه منه لهو غاية العدل والإنصاف، وهو الدال على مزيد العلم ونهاية الحزم.
ومن هنا نفهم سبب توقف رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وفي هذه القضية، وسؤاله عنها، وبحثه واستشارته أصحابة بعد أن أشاعها المنافقون، وتكلم بها المرجفون.
وقد ألمح إلى ما قلته ابن القيم رحمه الله عندما قال : (( فإن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – كان هو المقصود بالأذى ، والتي رميت زوجته ، فلم يكن يليق به أن يشهد ببراءتها مع علمه أو ظنه الظن المقارب للعلم ببراءتها ، ولم يظن بها سوء قط ، و حاشاه وحاشاها )) ، ولذلك استعذر من أهل الإفك ، قال : (( من يعذرني في رجل بلغني أذاه في أهلي ؟ والله ما علمت على أهلي إلا أخيراً ، ولقد ذكروا رجلاً ما علمت عليه إلا خيراً ، وما كان يدخل على أهلي إلا معي )) .
فكان عنده من القرائن التي تشهد ببراءة الصديقة أكثر مما عند المؤمنين ، ولكن لكمال صبره وثبته ، ورفقه وحسن الظن بالله حقه ، حتى جاءه الوحي بما أقر عينه وسر قلبه عظم قدره ، وظهر لأمته احتفال ربه به واعتناؤه بشأنه ))
الدرس السادس:
ومما ينبغي تسجيله هنا باعتباره درساً تربوياً يستفاد من حادثة الإفك، وهو موقف سيدنا أبي بكر الصديق رضي الله عنه مما حدث لابنته الطاهرة السيدة عائشة رضي الله عنها، ويتمثل في عدة مظاهر:
أولا : لم يخبرها بما حدث ، تقول السيدة عائشة رضي الله عنها : (( ثم قدمنا فلم أنشب أن اشتكيت شكوى شديدة ، ولا يبلغني من ذلك شيء ، وقد انتهى ذلك إلى أبوي ، وأبواي لا يذكران لي من ذلك شيئاً.. )) .
ثانياً: تأثره الشديد وبكاؤه مع ابنته مما يدل على تعاطفه معها، وعدم إيذائها:
تقول :السيدة عائشة لأمها – أم رومان – بعد أن أكدت لها خبر الإفك: وقد علم به أبي ؟ قالت : نعم ، قلت : و رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ؟ قالت : و رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فاستعبرت ، فبكيت ، فسمع أبو بكر صوتي ، وهو فوق البيت يقرأ ، فنزل ، فقال لأمي : ما شأنها ؟ قالت : بلغها الذي ذكر من أمرها ففاضت عيناه .
ثالثاً : اهتمامه بها ، و جلوسه عندها لاسيما عند اشتداد الأزمة في أيامها الأخيرة : تقول رضي الله عنها : وأصبح أبواي عندي ، وقد بكيت ليلتين ويوماً لا يرقأ لي دمع ، ولا أكتحل بنوم حتى إني لأظن أن البكاء قد فالق كبدي
وفي رواية أخرى : وأبواي يظنان أن البكاء فالق كبدي .
رابعا : تسليمه المطلق لرسول الله – صلى الله عليه وسلم – و إيمانه العميق بالوحي ، فعندما دخل النبي – صلى الله عليه وسلم – على عائشة و قال لها : (( أما بعد : يا عائشة فإنه بلغني عنك كذا وكذا ؛ فإن كنت بريئة سيبرئك الله عز وجل ، وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري )) .
فقال:لسيدة عائشة لأبيها: أجب عني رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فيما قال. فقال : ما أدري والله ما أقول لرسول الله – صلى الله عليه وسلم – . وفي رواية قال: لا أفعل هو رسول الله – صلى الله عليه وسلم – والوحي يأتيه.
ولقد كان رضي الله عنه مقتنعاً ببراءة ابنته ، يدل ذلك على تعبيره عن حزنه البالغ لما حدث لابنته من اتهام ، ودفاعه عنها بقوله : فما أعلم أهل بيت من العرب دخل عليهم ما دخل على آل أبي بكر ، والله ما قيل لنا هذا في الجاهلية حيث لا نعبد الله ، ولا ندع له شيئاً ، فيقال لنا في الإسلام )) ، ومع ذلك كان مسلماً ل رسول الله – صلى الله عليه وسلم – لا يجيبه بشيء .
قال الحافظ ابن حجر : (( وإنما أجابها أبو بكر بقوله : لا أدري لأنه كان كثير الاتباع لرسول الله – صلى الله عليه وسلم – ، ولأنه كان يتحقق براءتها لكنه كره أن يزكي ولده )) .
خامساً: تثبته في الأمور إذ إنه لم ينقل عنه في هذه القصة مع تمادي الحال فيها شهراً كلمة فما فوقها كما قال ابن حجر.
الدرس السابع:
موقف أم رومان مما حدث لابنتها السيدة عائشة:
و أما موقف الصحابية الجليلة أم رومان والدة السيدة عائشة فقد كان موقفاً رائعاً غير متعجل ولا متسرع ، بل يحمل في طياته موقف الأم التي عرفت منزلة الصديقة وبراءتها ، وطهارتها فقالت لها بلهجة ملؤها الاطمئنان والثقة : أي بنيه ، هوني عليك ، فوالله لقلما كانت امرأة قط وضيئة عند رجل يحبها ، ولها ضرائر إلا كثرن عليها .. )) .
قال الحافظ ابن حجر : (( وفي هذا الكلام من فطنة أمها ، وحسن تأتيها في تربيتها ما لا مزيد عليه ، فإنها علمت أن ذلك يعظم عليها فهونت عليها الأمر بإعلامها بأنها لم تنفرد بذلك ، لأن المرء يتأسى بغيره فيما يقع له ، وأدمجت في ذلك ما تطيب به خاطرها من أنها فائقة في الجمال والحظوة ، وذلك مما يعجب المرأة أن توصف به .. )) .
وفي موقف الوالدين الكريمين مما حدث لابنتهما السيدة عائشة رضي الله عنها درس تربوي بالغ الأهمية في كيفية التعامل مع قالة السوء وإشاعة الزور والبهتان ، فقد كان موقفاً يتسم بالحكمة ، ولم يتسرعا في إصدار أي حكم قبل ظهور الحجة ، واستكمال التحقيق وهما في ذلك يقتديان برسول الله – صلى الله عليه وسلم – في تعامله مع هذه الحادثة ، وطريقته في معالجتها .
ولكن قد يقال هنا : ولماذا لم يقولوا : سبحانك !! هذا بهتان عظيم ، كما فعل أبو أيوب الأنصاري فقد جاء في الحديث : وكانت أم أيوب الأنصارية قالت لأبي أيوب : أما سمعت ما يتحدث الناس ؟ فحدثته بقول أهل الإفك ، فقال : ما لنا أن نتكلم بهذا ، سبحانك !! هذا بهتان عظيم )) .
وإنما لم يقولوا : (( سبحانك هذا بهتان عظيم )) كما قال أبو أيوب رغم قناعتهم التامة ببراءة السيدة عائشة رضي الله عنها لأن الأمر يتعلق بهم فلابد من التحقيق العلني لرد التهمه التي أثارها المنافقون في المدينة ، تجد ذلك واضحاً في تعاملهم مع هذا الحدث الجلل وصبرهم الجميل رغم تجرعهم مرارته ، وتحملهم لهيب نيرانه .
الدرس الثامن :
ونشهد في حادثة الإفك مظاهر عناية الله برسوله الكريم – صلى الله عليه وسلم – وانتصاره له ، و إظهار علو منزلته عنده ، والتنبيه على إنافة محل سيد ولد آدم ، وخير الأولين والآخرين .
قال الزمخشري – رحمه الله – في صدد حديثة عن حادث الإفك : (( ولو فليت القرآن كله ، وفتشت عما أوعد به العصاة ، لم تر الله تعالى قد غلظ في شيء تغليظه في إفك عائشة رضوان الله عليها ، ولا أنزل من الآيات القوارع المشحونة بالوعيد الشديد ، والعتاب البليغ والزجر العنيف ، واستعظام ما ركب من ذلك واستفظاع ما أقدم عليه – ما أنزل فيه على طرق مختلفة ، وأساليب مفتنة ، كل واحد منها كاف بابه .
ولو لم ينزل إلا هذه الثلاث لكفى بها ، حيث جعل القذفه ملعونين في الدارين جميعاً وتودعهم بالعذاب العظيم في الآخرة ، وبأن ألسنتهم و أيديهم و أرجلتهم تشهد عليهم بما أفكوا وبهتوا ، وأنهم يوفيهم جزاءهم الحق الواجب الذين هم أهله حتى يعلموا عند ذلك (( أن الله تعالى هو الحق المبين )) .
فأوجز في ذلك وأشبع وافصل وأجمل ، وأكد وكرر ، وجاء بما لم يقع في وعيد المشركين عبدة الأوثان إلا ما هو دونه في الفظاعة وما ذلك إلا لأمر ... ؟
- فما هذا الأمر ؟ -
قال : وما ذاك إلا لإظهار علو منزلة رسوله الكريم – صلى الله عليه وسلم – ، والتنبيه على إنافة محل سيد ولد آدم ، خير الأولين والآخرين ، وحجة الله على العالمين ، ومن أراد أن يحقق عظمة شأنه – صلى الله عليه وسلم – وتقدم قدمه و أحرازه قصب السبق دون كل سابق فليتلق ذلك من آيات الإفك ، وليتأمل كيف غضب الله في حرمته وكيف بالغ في نفي التهمة عن حجابه )) .
وقال الإمام المفسر أبو السعود العمادي رحمة الله : (( ولو تتبعت ما في القرآن المجيد من آيات الوعيد ، الواردة في حق كل كَفَّار مريد ، وجبار عنيد لا تجد شيئاً منها فوق هاتيك القوارع المشحونة بفنون التهديد والتشديد ، وما ذاك إلا لإظهار منزلة النبي – صلى الله عليه وسلم – في علو الشأن والنباهة ، وإبراز رتبة الصديقة رضي الله عنها في العفة والنزاهة )) .
الدرس التاسع :
ونشهد في حادثة الإفك فضل أم المؤمنين السيدة عائشة رضي الله عنها زوجة سيد الخلق أحب الناس إليه
ونشهد في حادثة الإفك فضل أم المؤمنين السيدة عائشة رضي الله عنها زوجة سيد الخلق أحب الناس إليه (( حيث أنزل وحيه على رسوله الأمين بما لم يكن لأحد في الحسبان ، ولا وقع مثله قط في حادثة من الحوادث التي تراها النظرة العابرة على أنها حادثة فردية كان يكفي في إبطالها أن يرى رسول الله – صلى الله عليه وسلم – رؤيا مناميه في تبرئة أطهر الطاهرات أم المؤمنين ، ولكن الله سبحانه وتعالى أراد أن يجعل من هذه الحادثة خصيصة ، ليرفع من شأن أطهر الطاهرات الصديقة بنت الصديق زوج أحب خلق الله إلى الله إظهاراً لشرفها الذاتي والاجتماعي ، و إنافة لمكانتها في أهل البيت طهراً وفضلاً وشرفاً ، وثقلاً في ميزان الفضائل الإنسانية والإيمانية لمكانها من قلب رسول الله – صلى الله عليه وسلم – .
وعليه فمن تشكك في براءتها بعد ذلك ، أو رماها بما رماها به بعد نزول الآيات في براءتها صار كافراً مرتداً بإجماع المسلمين ، وقد نقل الإجماع على هذا الحكم غير واحد من الأئمة منهم : السهيلي والنووي وابن تيمية وابن القيم وابن كثير الزركشي والسيوطي .
الدرس العاشر:
وقد كشفت هذه الحادثة في وقت مبكر من حياة هذه السيدة عن علم غزير، وفهم دقيق، واستشهاد بالآيات في موقع الاستشهاد.
تقول رضي الله عنها : (( فقلت وأنا جارية حديثة السن ، لا أقرأ من القرآن كثيراً : إني والله قد عرفت أنكم قد سمعتم بهذا حتى أستقر في أنفسكم ، حتى كدتم أن تصدقوا به ، ولئن قلت لكم أني بريئة ، - والله عز وجل يعلم أني بريئة – لا تصدقوني بذلك ، ولئن إعترفت لكم بأمر – والله عز وجل يعلم أني بريئة – تصدقونني ، و إني والله ما أجد لي ولكم مثلاً إلا كما قال أبو يوسف : {فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ } ( يوسف : 18 )
وعذر زوجها المصطفى – صلى الله عليه وسلم – أنه كان ينتظر الوحي ليبت في هذا الحدث الجلل كونه يتعلق به ، وعذر أبويها تسليمهم المطلق لرسول الله – صلى الله عليه وسلم – كما تقدم بيان ذلك ، يدل على هذا ما جاء في بعض روايات الحديث ، فقلت لأبي أجب فقال : لا أفعل ، هو رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ، والوحي يأتيه .
قال الحافظ ابن حجر: (( وفي هذا الحديث من الفوائد:
جواز الاستشهاد بآي القرآن في النوازل، والتأسي بما وقع للأكابر من الأنبياء وغيرهم.
وفيه : فضائل جمعة لعائشة ولأبويها رضي الله عنهم )) .
الدرس الحادي عشر:
ونشهد في حادثة الإفك جانباً من جوانب حكمة النبي – صلى الله عليه وسلم – في تعامله مع الأمور وتدرجه في إيصال المعلومات: وذلك من خلال إبلاغ عائشة خبر براءتها، وتدرجه في ذلك.
قال الحافظ ابن حجر : (( وفيه – أي في حديث الإفك من الفوائد – : تدريج من وقع مصيبة فزالت عنه لئلا يهجم على قلبه الفرح من أول وهلة فيهلكه ، يؤخذ ذلك من ابتداء النبي – صلى الله عليه وسلم – بعد نزول الوحي ببراءة عائشة – بالضحك ثم تبشيرها ، ثم إعلامها ببراءتها مجملة ، ثم تلاوته الآيات على وجهها ، وقد نص الحكماء على أن من اشتد عليه العطش لا يمكن من المبالغة في الري في الماء لئلا يفضي به ذلك إلى الهلكة بل يجرع قليلاً قليلاً )) .
ونتعلم من هذه الحادثة درساً تربوياً بليغاً، ومنهجاً في مواجهة مثل هذه الأمور، وهذا المنهج الذي يفرضه القرآن يتمثل في ثلاث خطوات:
(( الخطوة الأولى: خطوة الدليل الباطني الوجداني وذلك بعرض الأمر على القلب واستفتاء الضمير:
يدل على ذلك قوله تعالى: { لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون و المؤمنات بأنفسهم خيراً وقالوا هذا إفك مبين }
والخطوة الثانية : هي طلب الدليل الخارجي والبرهان الواقعي :
قال تعالى { لولا جآءو عليه بأربعة شهداء فإذ لم يأتوا بالشهداء فأؤلئك عند الله هم الكاذبون}
ذلك لأن مثل هذه الافتراءات ما ينبغي أن تمر هكذا سهله هينة ، وأن تشيع هكذا دون تثبت ولا بينه ، وأن تتقاذفها الألسنة ، وتلوكها الأفواه دون شاهد ولا دليل )) .- الظلال "4/250 – بتصرف وزيادة .
الخطوة الثالثة : الصدع بالحق ، والجهر به ، وعدم السكوت على المنكر ، يدل على ذلك قوله تعالى { ولولا إذ سمعتموه قلتم ما يكون لنا أن نتكلم بهذه سبحانك هذا بهتان عظيم } .
هذه الخطوات الثلاث هي التي يجب إتباعها في التعامل مع مثل هذه الأمور التي تعرض للفرد المسلم، والأسرة المسلمة، والمجتمع الإسلامي.
الدرس الثالث عشر :
وفي حادثة الإفك نشهد تطبيقاً عملياً لحد من حدود الله ألا وهو حد القذف إذ فيه نزل قول الله تعالى في مطلع سورة النور {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (4) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِن بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (5) }
يدل ذلك على ما جاء عن عائشة قال: (( لما نزل عذري قام رسول الله – صلى الله عليه وسلم – على المنبر فذكر ذلك، وتلا القرآن، فلما نزل أمر برجلين و امرأة فضربوا حدهم )).
وحديث أبي هريرة : وفيه فحدَّ رسول الله – صلى الله عليه وسلم – مسطحاً وحمنة و حسان )) .
فهذان الحديثان صريحان في إقامة الحد على هؤلاء المذكورين تطهراً لما علق بهم من درن مقالة أهل الإفك، وممن قال بذلك ابن إسحاق ورجحه ابن القيم، وقال الحافظ ابن حجر: هو الصحيح المعتمد. (( فتح البارى 10/495 : وخالف فى ذلك الواقدى : قال : " ويقال : عن رسول الله صلى الله عليه و سلم لم يضربهم ، وهذا أثبت عندنا " كما فى المغازى – 1/434 – وتابعه من المعاصرين محمد طاهر عاشور في تفسير التحرير و التنوير -1/177 – وقال : وهو الاصح من الروايات " و الاستاذ محمد صادق عرجون في كتابه محمد رسول الله – 4/235 – قال : رحمه الله : " لم يثبت عندنا ان احدا من خلص المؤمنين صرح بالافك تصريحا يوجب حد القذف ، و انما الذى كان إنما هو إرجاف من المنافقين و مرضى القلوب أفصحوا في إرجافهم عن الافتراء و البهتان و الإفك : ليحزنوا الذين امنوا ، و يدخلوا عليهم من الفتنة و الشك ما يشغلهم عن نشر دعوتهم و تبليغ رسالتهم و ليسيئوا الى رسول الله صلى الله عليه و سلم فى أحب الناس اليه ، بألأم ما عرف من لؤم الطبائع البشرية ، و أخبث ما تلوث به سيرة اطهر الطاهرات ، و افضل الفضليات " .
وقد عد الإسلام قذف المحصنات من الكبائر الموجبة لسخط الله وعذابه لأنها تولد أخطاراً جسيمه في المجتمع، فكم من فتاة عفيفة شريفة لاقت حتفها لكلمة قالها فاسقٌ، فصدقها فاجر ولاكتها الألسنة في المجتمع.
لذلك وصيانة للأعراض ، وحماية لأصحابها من إهدار الكرامة قطع الإسلام ألسنة السوء بأن شدد في عقوبة القذف فجعلها قريبة من عقوبة الزنا ، ثمانين جلدة ، وهي عقوبة جسدية .
مع إسقاط الشهادة: وهي عقوبة معنوية تهدر كرامة القاذف.
وتسقط اعتباره، مع وصفه بالفاسق: وهي عقوبة دينية.
وغرض الإسلام من هذه العقوبة : صيانة الأعراض وحفظ كرامة أفراد الأمة ، وتطهير المجتمع من مقالة السوء لتظل الأسرة المسلمة موفورة الكرامة ، مصونة الجناب ، بعيدة عن ألسنة السفهاء ، وبهتان المغرضين .
وهل أقيم الحد على زعيم المنافقين أبن أبي ؟
الاحاديث الصحيحة لم تتعرض لذكره فيمن أقيم عليهم الحد ، وقد جزم عدد من العلماء بأنه لم يقم عليه الحد ، ومنهم القرطبي وابن القيم وحجتهم في ذلك : أن الحد لا يثبت إلا بينة أو إقرار ، وهو لم يقر بالكذب ، ولا شهد به عليه أحد ، بل كان يستو شي الحديث ويجمعه ويحكيه ويخرجه في قوالب من لا ينسب إليه . قيل : أقيم عليه الحد ، ومستند هذا القول ، روايات ضعيفة لا تخلو كل منها من مقال .
الدرس الرابع عشر :
ونشهد فى حادثة الافك أثر النفاق السيئ فى حياة المسلمين ، ودو المنافقين فى زعزعة المجتمع الاسلامي عن طريق بث الأراجيف ، و اشاعة الأكاذيب و اتهام البرآء وزرع الشكوك .
إن معارك النفاق النفسية و الإعلامية لا تقل خطورة عن المعارك العسكرية بل تفوقها أحياناً في أثرها وخطرها.
(( ولعل حادثة الإفك كانت معركة من أضخم المعارك التي خاضها رسول الله – صلى الله عليه وسلم – لكنه خرج منها منتصراً ، كاظماً لآلامه الكبار ، محتفظاً بوقار نفسه ، وعظمة قلبه وجميل صبره فلم يؤثر عنه كلمة واحده تدل على نفاد صبره ، وضعف احتماله ، والآلام التي تناوشه لعلها من أعظم الآلام التي مرت به في حياته ، والخطر على الإسلام من تلك الفرية من أشد الأخطار التي تعرض له في تاريخه ... )) .- انظر الظلال 4/2501 -
(( ولكن الله تعالى أراد أن يجعل منها نكالاً للنفاق والمنافقين ، وللذين في قلوبهم مرض لا يشفيه إلا الإرجاف بالسوء إشاعة الأكاذيب والبهتان في مجتمع مؤمن )) .
الدرس الخامس عشر:
كما نتعلم من حادثة الإفك درساً أخلاقياً بليغاً في أدب اللسان وصونه من أن يتكلم بما لا يعنيه أو أن يخوض فيما لا يعلمه.
يدل ذلك على قوله تعالى: { إذ تلقونه بألسنتكم و تقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم وتحسبونه هينا وهو عند الله عظيم (15) }.
قال الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور : (( وفي هذا من الأدب الأخلاقي : أن المرء لا يقول بلسانه إلا ما يعلمه ويتحقق منه ، وإلا فهو أحد رجلين : أفن الرأي يقول الشيء قبل أن يتبين له الأمر فيوشك أن يقول الكذب فيحسبه الناس كذاباً ...
أو رجل مموه مراء يقول ما يعتقد خلافة، وقد قال الله تعالى { كبر مقتاً عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون (3) }.
الدرس السادس عشر:
كما نتعلم من حادثة الإفك درسا عمليا في الإيمان و اليقين، وذلك من خلال موقفين من مواقف السيدة عائشة.
الموقف الأول: قبل نزول براءتها عندما قالت: (( والله ما أجد لي ولكم مثلا إلا كما قال أبو يوسف: {فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ } ( يوسف: 18 )
و ذلك بعد أن فاتحها رسول الله – صلى الله عليه وسلم – بالأمر، و أمرها بالاعتراف، وأجابته بما أجابته به ثم استشهدت بهذه الآية التي تدل على عمق إيمانها بالله واستعانتها به.
والموقف الثاني: بعد نزول براءتها وتقول النبي – صلى الله عليه وسلم – أبشري يا عائشة أما الله عز وجل فقد برأك، تقول: قالت أمي: قومي إليه، فقالت: والله لا أقوم إليه ولا أحمد إلا الله.
إن حمد رسول الله – صلى الله عليه وسلم – من حمد الله، ولكن عائشة من فرط تعلقها بالله، ومن ثم فرحها بهذه النعمة التي أنعم الله بها عليها أبت أن تحمد إلا الله.
قال ابن القيم : (( ومن تأمل قول الصديقة : (( ولا أحمد إلا الله )) علم معرفتها ، وقوة إيمانها وتوليتها النعمة لربها ، إفراده بالحمد في ذلك المقام ، وتجريدها التوحيد ، وقوة جأشها ، وإدلالها ببراءة ساحتها ، وأنها لم تفعل ما يوجب قيامها في مقام الراغب في الصلح الطالب له ، وثقتها بمحبة رسول الله – صلى الله عليه وسلم – لها قالت ما قالت ، إدلالاً للحبيب على حبيبه ، ولا سيما في مثل هذا المقام الذي هو أحسن مقامات الإدلال فوضعته موضعه .. )) .
وقال الحافظ ابن حجر: (( وفيه – أي في الحديث الإفك من الفوائد – أن الشدة إذا اشتدت أعقبها الفرج.
وفضل من يفوض الأمر لربه، وأن من قوي على ذلك خف عنه الهم والغم، كما وقع في حالتي عائشة قبل استفسارها عن حالها وبعد جوابها بقولها: والله المستعان )).
وقال الآلوسي رحمه الله : (( ثم إن الذي أراه : أن إنزال هذه الآيات في أمرها لمزيد من انقطاعها رضي الله عنها إلى الله عز وجل مع فضلها وطهارتها في نفسها )) .
الدرس السابع عشر:
ونتعلم من حادثة الإفك درساً في الورع والتقوى، هذا الدرس سطرته أم المؤمنين زينت بنت جحش رضي الله عنها.
فعندما سألها رسول الله – صلى الله عليه وسلم – عن أمر عائشة أجابته بجواب ملؤه الطهر والورع والعفة والنزاهة قالت: يا رسول الله، أحمي سمعي وبصري، والله ما علمت إلا خيراً. رغم ما بينهما من منافسة في طلب الحظوة عند رسول الله – صلى الله عليه وسلم –. تقول السيدة عائشة : فعصمها الله عز وجل بالورع . (( والورع في الأصل: الكف عن الحرام، والتحرج منه، ثم استعير للكف عن المباح والحلال. وقد قيل: ملاك الدين الورع )).
وكم كان لهذا الموقف النبيل من أثر طيب في نفس السيدة عائشة مما جعلها تثني عليها الثناء العطر في حياتها وبعد مماتها.
ومن ذلك قولها: (( ما رأيت قط خيراً في الدين من زينب و أتقى لله، وأصدق حديثاً، وأوصل للرحم وأعظم أمانة وصدقاً )).
ولا شك أن ذلك كله أثر من آثار الورع والتقوى في حياة الإنسان ، وتصور لو أنها لم تقف هذا الموقف ، ووقفت موقف أختها حمنة التي هلكت فيمن هلك في حادثة الإفك ؟ . ولا شك أنها كانت ستهلك مثل أختها وسينالها العتاب والعقاب، وما عصمها من ذلك كله إلا الورع و التقوى...
وكم بنا من حاجة إلى تلقي هذا الدرس من أم المؤمنين وتطبيقه عملياً في حياتنا وسلوكنا فنكف عن الحرام ونتحرج عن فعله ، ونسعى لنكف عن كثير من المباحات التي تفضي بنا إلى أبواب الحرام .
كما يستفاد من حادثة الإفك مشروعية التوبة، و أنها تقبل من المعترف المقلع المخلص.
ففي هذه الحادثة رغم خطورتها وبشاعتها نجد أن الله سبحانه وتعالى قد فتح باب التوبة أمام من بدر منه شيء من معصية الله ، وذلك عندما قال :
: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ { 4 } إِلا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ { 5 } سورة النور آية 4-5
وفي حديث الإفك نجد رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يخاطب السيدة عائشة قائلاً : (( أما بعد يا عائشة فإنه بلغني عنك كذا وكذا ، فإن كنت بريئة فسيبرئك الله ، و إن كنت ألمت بذنب فاستغفري الله وتوبي ، فإن العبد إذا اعترف بذنبه ثم تاب إلى الله تاب الله عليه )) .
قال القاضي عياض : (( إنما أمرها أن تستغفر الله و تتوب إليه أي : فيما بينها وبين ربها فليس صريحاً في الأمر لها بأن تعترف عند الناس بذلك )) .
وقال الحافظ بن حجر : (( وفيه : أي في هذا الحديث من الفوائد : أن الاعتراف بما لم يقع لا يجوز ، ولو عرف أنه يصدق في ذلك ولا يؤاخذ على ما يترتب على اعترافه ، بل عليه أن يقول الحق ، أو يسكت ، وأن الصبر تحمد عاقبته ، ويغبط صاحبه )) .
وها هو أبو بكر الصديق – رضي الله عنه – كان ينفق على مسطح بن أثاثه لقرابته منه وفقره، فلما شارك في الإفك قال أبو بكر: " والله لا أنفق على مسطح شيئا أبدا بعد الذي قال لعائشة ما قال ، فأنزل الله تعالى :