03-04-2010, 05:47 PM
|
رقم المشاركة : [13]
|
| مديرة الملتقيات التقنية والمكتبة , عضو لجنة الإشراف
| وفي رواية كانت عائشة رضي الله عنها إذا غضبت عرك النبي صلى الله عليه وسلم بأنفها ثم يقول : " يا عويش ، قولي : اللهم رب محمد اغفر لي ذنبي ، واذهب غيظ قلبي ، وأجرني من مضلات الفتن " = أخرجه ابن السنى في عمل اليوم و الليلة برقم ( 456 ) عن القاسم بن محمد بن أبي بكر مرسلا = .
و في رواية: كان رسول الله صلى الله عليه و سلم إذا غضب على عائشة وضع يده على منكبها فقال: " اللهم اغفر لها ذنبها، و اذهب غيظ قلبها، و أعذها من مضلات الفتن " = أخرجه ابن عساكر في كتاب الأربعين في مناقب أمهات المؤمنين ص. 143 و فيه بقية بن الوليد وصف بالتدليس و قد عنعن . قلت : لكن الحديث بهذه المتابعات يتقوى ، و المرفوع منه له شاهد من حديث أم سلمة أخرجه احمد ( 26576 ) و نصه : " قالت : قلت : يا رسول الله ألا تعلمني دعوة أدعو بها لنفسي ؟ قال: بلى، قولي: اللهم رب النبي محمد، اغفر لي ذنبي، و اذهب غيظ قلبي، و أجرني من مضلات الفتن ما أحييتنا ". و قال الهيثمى في مجمع الزوائد إسناده حسن . = .
ومن المعلوم ان الوعظ من الأساليب القرآنية التي ارشد الحق تبارك و تعالى الزوج إلى تطبيقه عند الخوف من نشوز الزوجة و عصيانها ، فلا بأس ان استعرض ما قاله العلماء عن هذا الأسلوب التربوي في معالجة المشكلات و سأذكر هنا ما كتبه العلماء عن الوعظ الوارد في قوله تعالى : { فَعِظُوهُنَّ } :
قال الإمام القرطبي : ( أي فعظوهن بكتاب الله تعالى : أي ذكروهن ما اوجب الله عليهن من حسن الصحبة ، و جميل العشرة للزوج و الاعتراف بالدرجة التي له عليها ، و يذكرها أيضا بقول النبي صلى الله عليه و سلم : " لو أمرت أحدا ان يسجد لأحدٍ لأمرت المرأة ان تسجد لزوجها " = الجامع لأحكام القران 5/171 .= .
و قال الإمام الجصاص : في معنى ( فعظوهن ) يعني خوفوهن بالله و عقابه . = أحكام القران 2/189 = .
و قال الإمام الرازي : قال الشافعي أما الوعظ فانه يقول لها : اتقي الله فان لي عليك حقا ، و ارجعي عما أنت عليه ، و اعلمي ان طاعتي فرض عليك و نحو ذلك . " = تفسير الرازي 10/90 = .
و في تفسير الالوسي : ( فعظوهن ) أي فانصحوهن و قولوا لهن : اتقين الله و ارجعن عما انتن عليه ، و ظاهر الآية ترتب هذا على خوف النشوز ، و ان لم يقع و إلا لقيل نشزن . = تفسير الالوسي 5/24 = .
و في تفسير المنار : في معنى ( فعظوهن ) : إذا آنس الزوج من زوجته ما يخشى ان يؤول إلى الترفع وعدم القيام بحقوق الزوجية ، فعليه أولا ان يبدأ بالوعظ الذي يرى انه يؤثر في نفسها . و الوعظ يختلف باختلاف حال المرأة ، فمنهن من يؤثر في نفسها التخويف من الله عزوجل و عقابه على النشوز ، و منهن من يؤثر في نفسها التهديد و التحذير من سوء العاقبة في الدنيا ، كشماتة الأعداء ، و المنع من بعض الرغائب كالثياب الحسنة و الحلي ، و الرجل العاقل لايخفى عليه الوعظ الذي يؤثر في قلب امرأته. = تفسير المنار 5/72 =.
و قال ابن قدامة الحنبلي : " فمتى ظهرت منها - من الزوجة – أمارات النشوز فانه يعظها فيخوفها الله سبحانه و تعالى ، و يذكرها ما اوجب الله له عليها من الحق و الطاعة ، و ما يلحقها من الإثم بالمخالفة و المعصية ، و ما يسقط بذلك من حقوقها من النفقة و الكسوة ، و ما يباح له من ضربها و هجرها . " = المغني 7/46 =. القول الراجح في وعظ الزوج زوجته :
( المفصل في أحكام المرأة و البيت المسلم للدكتور عبدا لكريم زيدان 7/313 ،314 ) :
" و الواقع ان الوعظ يجب ان يكون بالموعظة الحسنة ، قال الله تعالى : ( ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ) – النحل 125 –
و الموعظة الحسنة هي التي لا يخفى على من تعظه بأنك تناصحه بها و تقصد ما ينفعه فيها .
و على هذا يجب على الزوج ان يشعر زوجته في وعظه إياها انه يريد الخير لها ، و يقيها الضرر و الشر بسبب تقصيرها فيما أوجبه الله تعالى له عليها من حقوق .
فيذكرها بمعاني الإيمان التي تستلزم طاعة الله بامتثال أوامره و اجتناب ما نهى عنه ، و من ذلك ما أوجبه الله عليها من حقوق لزوجها ، فلا يجوز التفريط فيها ،لما يترتب على ذلك مما يسوؤها في الدنيا و الآخرة . كما ان الموعظة الحسنة يجب ان تثير عواطفها و أحاسيسها نحو زوجها شريك حياتها ، و انه لا يليق بها ان يصدر منها ما يزعجه و لا يسّره ، و ان العشرة بالمعروف هي شأن الزوجات القانتات الحافظات للغيب ، و ليس كثيرا عليها ان تكون واحدة منهن .
ثم ينبغي ان يكون وعظ الزوج زوجته سرا فيما بينه و بينها لا بحضور أهلها و لا بحضور أهله ، حتى لا يحصل تدخل من الغير فيما يخصهما ، فينتصر هذا الغير لأحدهما دون الأخر ، و الأمر لم يبلغ بعد إلى حد بعث الحكمين لفض النزاع و الشقاق .
ثم يجب ان يكون وعظ الزوج هينا لينا رقيقا خاليا من التعنيف و الغلظة و الشدة وروح الاستعلاء مفعمّا بالحب و إرادة الخير لها ، و إعادة الأمور إلى مجاريها الطبيعية السليمة التي ترضي الله .
كما على الزوج ان يذكرها بحق الأولاد – ان كان لهم أولاد – بأن لا يظهروا أمامهم بمظهر المختلفين المتنازعين .
كما عليه ان يذكرها بأن نشوزها وما يتبع ذلك من نفرة وخلاف سيفرح له الأعداء و الكارهون لها ، فلتفوت عليهم مقصدهم و ما يريدون .
و على كل حال فالوعظ المؤثر متروك لفطنة الزوج و حسن سياسته مع زوجته و عدم جرح شعورها بإظهار العنف و التسلط عليها.
و على هذا فما ذكره المفسرون و الفقهاء في المراد من ( فعظوهن ) مراد كله من الوعظ المطلوب ، و ان قال كل واحد منهم ، ما رآه كافيا للتنبيه إلى المعاني الأخرى المرادة من الوعظ ".
السلام عليكم رحمة الله و بركاته
و يواصل المؤلف حديث فى هذا المبحث عن اسلوب العتاب :
المبحث الخامس : إسلوب العتاب الشديد عند الغضب : و من الأساليب التي رسول الله صلى الله عليه و سلم في معالجة الخلافات الزوجية إسلوب العتاب في موقف لا ينبغي ان يمر دونما حساب . لقد أراد النبي صلى الله عليه و سلم من وراء ذلك ان يضع حدا لمشكلة طالما كررت و الحيلولة دون وقوعها مرة ثانية في بيته الكريم :
قالت عائشة رضي الله عنهما : كان رسول الله صلى الله عليه و سلم إذا ذكر خديجة لم يكد يسأم من ثناء عليها ، و استغفار لها ، فذكرها يوما ، فحملتني الغيرة ، فقلت : لقد عوضك الله من كبيرة السن .
قالت: فرايته غضب غضبا شديدا، أُسقطت في خلدي، وقلت في نفسي: اللهم إن أذهبت غضب رسولك عني لم أعد أذكرها بسوء ما بقيت.
فلما رأى النبي صلى الله عليه و سلم ما لقيت، قال: " كيف قلت ؟ والله لقد لآمنت بى إذ كذبني الناس ، و آوتني إذ رفضني الناس ، و رزقت مني الولد إذ حرمتموه مني " .
قالت : فغدا وراح عليَّ بها شهر " . = حديث حسن . أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (23/21 ) ورجاله ثقات سوى عبدالله البهي فقد قال عنه ابن سعد في الطبقات ( 6/296 ) كان ثقة معروفا قليل الحديث ،ووثقه ابن حبان ، بينما قال عنه ابو حاتم : لا يحتج بالبهي ، و هو مضطرب الحديث . انظر تهذيب الكمال للمزي 16/342 وقد حسنّ هذا الحديث الهيثمى في مجمع الزوائد 9/224 و الشامي في سبيل الهدى و الرشاد 11/158 ، و الشيخ شعيب الارنؤط في تعليقه على سير أعلام النبلاء 2/112 ، و قال و في المسند 24864 من طريق مجالد عن الشعبي عن مسروق عن عائشة خبر قريب من هذا وحسنه كذلك في تعليقه على المسند . و أصل الحديث مروي في صحيحي البخاري و مسلم و قد تقدم تخريجه في المبحث الثاني من القسم الأول تعامل النبي مع زوجاته في الجانب الإنساني = .
في هذا الحديث نجد ان النبي صلى الله عليه و سلم غضب غضبا شديدا من زوجه السيدة عائشة لأنها تعرضت لامرأة لها منزلتها في الإسلام و لها قدرها عند النبي صلى الله عليه و سلم .
أنها السيدة خديجة : سيدة نساء العالمين و هي أول من آمن به و صدقه ، و صدقه قبل كل احد وثبتت جأشه .
قال ابن الأثير : خديجة أول خلق الله اسلم بإجماع المسلمين ( أسد الغابة 7/78 ) لكن النبي صلى الله عليه و سلم لم يكتفي بموقفه الغاضب ، بل شرع يبين لها أسباب حبه للسيدة خديجة و ثنائه عليها ، فقال : " والله لقد آمنت بى إذ كذبني الناس ، و آوتني إذ رفضني الناس ، ورزقت مني الولد إذ حرمتموه مني " .
و هي صفات عظيمة اتصفت بها هذه السيدة الجليلة.
ولهذا كان النبي صلى الله عليه و سلم شديد الحب لها ، عظيم الوفاء معها حتى بعد وفاتها و من مظاهر هذا الوفاء انه كان صلى الله عليه و سلم إذا ذبح الشاة يقول : أرسلوا بها إلى أصدقاء خديجة " ( رواه مسلم 2435 ) .
وقد حقق هذا الأسلوب أهدافه، يدل على ذلك قول السيدة عائشة: وقلت والذي بعثك بالحق لا اذكرها بعد هذا إلا بخير. ( حديث حسن ، فقد رواه الطبراني في المعجم الكبير 23/23 من طريق عبدالله بن أبى نجيح عن عائشة . ورجاله ثقات .. )
قال الشاعر :
إذا ذهب العتاب فليس وُدٌّ = ويبقى الود ما بقي العتاب
( ينسب البيت لأبى تمام ، و لم أجده في ديوانه المطبوع ) .
|
| |
| |