الموضوع
:
الأساليب النبوية في معالجة المشكلات الزوجية
عرض مشاركة واحدة
03-04-2010, 05:47 PM
رقم المشاركة : [
11
]
Amwaj
مديرة الملتقيات التقنية والمكتبة , عضو لجنة الإشراف
My SMS
اين انت يا انسان ؟
permalink
المبحث الثاني : إسلوب التغاضي :
ومن الاساليب التي كان يستعملها النبي صلى الله عليه و سلم في معالجة الخلافات الزوجية : إسلوب التغاضي ،
وذلك لأن كثيرا من الخلافات الزوجية لا تحل بأسلوب الخصومة و لا ينفع معها الجدل ، و كم رأينا من خلافات ما زادها الجدل إلا تعقيدا ، بل زاد من صعوبة حلها .
و من الأمثلة على هذا الأسلوب النبوي :
ما جاء عن انس رضي الله عنه أنها قال : كان للنبي صلى الله عليه و سلم تسع نسوة ، فكان إذا قسم بينهم لا ينتهي إلى المرأة الأولى إلا في تسع ، فكن يجتمعن كل ليلة في بيت التي يأتيها ، فكان في بيت عائشة فجاءت زينب فمدَّ يده إليها .
فقالت : هذه زينب ، فكف النبي صلى الله عليه و سلم يده ، فتقاولتا حتى اسْتَخَبَتّا ، حتى أقيمت الصلاة .
( قوله : استخبتا : من السخب و هو اختلاط الأصوات و ارتفاعها ، كما في شرح صحيح مسلم للنووي 10/47 ) .
فمر ابوبكر على ذلك فسمع أصواتهما .
فقال: اخرج يا رسول الله إلى الصلاة، و أحث في أفواههن التراب.
فخرج النبي صلى الله عليه و سلم.
فقالت عائشة : الآن يقضي النبي صلى الله عليه و سلم صلاته فيجئ ابوبكر فيفعل بى و يفعل .
فلما قضى النبي الله عليه و سلم صلاته أتاها ابوبكر ، فقال لها قولا شديدا .
و قال: " أتصنعين هذا؟ " ( رواه مسلم -1463، 47 ).
وواضح ان النبي صلى الله عليه و سلم لم يباشر معالجة الموقف في قمة ثورته بل تغاضى عنه ، و انصرف إلى الصلاة ، و الإغضاء الرحيم هو أفضل حل لهذه المشكلة ( لا سيما و ان الدافع لكل واحدة من المتخاصمتين هنا هو حب رسول الله صلى الله عليه و سلم و لا يجوز ان يكون الحب سببا لإساءة محبوبها إليها ، فلا يجزي الإحسان بالإساءة عند سيد الأنبياء عليه الصلاة والسلام . ( انظر كتاب دراسة تحليلية لشخصية الرسول صلى الله عليه و سلم، د/ محمد رواس قلعي ص.185 ) .
وقد عالجها ابوبكر خير معالجة إذ زجر عائشة على ما بدر منها .
و لم يكن رسول الله صلى الله عليه و سلم يكتفي بهذا الأسلوب فقط ، بل كان عليه الصلاة و السلام يحول بين هذا الطرف الثالث – حتى و لو كان أبا – و بين الإساءة إلى الزوجة ، و بذلك تشعر هذه الزوجة ان زوجها أرأف بها من أبيها .
يدل على ذلك ما جاء :
عن النعمان بن بشير رضي الله عنه قال : استأذن ابوبكر على النبي صلى الله عليه و سلم فسمع صوت عائشة عاليا ، و هي تقول : والله لقد علمت ان عليًّا أحب إليك من أبي .
فأهوى إليها ابوبكر ليلطمها ، وقال : يا ابنة أم رومان ، أراك ترفعين صوتك على رسول الله صلى الله عليه و سلم ، فامسكه رسول الله صلى الله عليه و سلم و خرج ابوبكر مغضبا ، فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : " يا عائشة ، كيف رأيتني أنقذتك من الرجل " .
- و في رواية مسند احمد : فلما خرج ابوبكر جعل النبي صلى الله عليه و سلم يترضاها يقول لها : " ألا ترين أني قد حلت بين الرجل و بينك " .
- ثم استأذن ابوبكر بعد ذلك ، وقد اصطلح رسول الله صلى الله عليه و سلم و عائشة .
- - وفي رواية مسند احمد : فوجده يضاحكها - .
فقال ابوبكر : أدخلاني في السلم كما أدخلتماني في الحرب .
- فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " قد فعلنا ".
-
و يمكننا ان نستنبط من قول أبى بكر رضي الله عنه : أدخلاني في السلم كما أدخلتماني في الحرب : أسلوبا نبويا جديدا في معالجة الخلافات الزوجية ألا وهو إسلوب التحكيم إذ ان قوله " أدخلاني في السلم " يدل على ان النبي صلى الله عليه و سلم وزوجه عائشة رضي الله عنها طلبا منه التدخل لحل هذا النزاع ، و أنهما رضياه ان يكون حكما بينهما ، و ان كان مطلع الحديث لا يفيد هذا المعنى بصورة واضحة ، و كأنه يوحي ان ابابكر دخل من غير طلب ، و انه تدخل كطرف ثالث لحل هذا الخلاف القائم ، و الخاص بأحب الرجلين إلى النبي صلى الله عليه و سلم .
( أخرجه احمد – 30/1894 ،18421 - ، و ابوداود – 4999 - ، و النسائي في السنن الكبرى – 9110 – و اللفظ له ، و الطحاوي في شرح مشكل الآثار – 5309 - . وقد ثبت من حديث عمرو بن العاص عند البخاري – 3662 – انه سأل النبي صلى الله عليه و سلم : اى الناس أحب إليك ؟ قال : عائشة ، فقلت من الرجال ؟ قال: أبوها. قلت : ثم من ؟ قال : عمر بن الخطاب . فعد رجالا . ) .
المبحث الثالث : إسلوب الحوار و الإقناع
ومن الأساليب التي استعملها النبي صلى الله عليه و سلم في معالجة المشكلات الزوجية إسلوب الحوار الهادف لإقناع الزوجة بالعدول عن خطأ وقعت به ، أو فكرة مسبقة حملتها وهي غير صحيحة .
النموذج الأول : أتباعه صلى الله عليه و سلم إسلوب الإقناع عن طريق الحوار في تعامله مع زوجه الطاهرة صفية بنت حيي بن اخطب النضرية رضي الله عنها .
عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : ( قالت : - يعني صفية - : وكان رسول الله صلى الله عليه و سلم من ابغض الناس الىّ ، قتل زوجي و أبي ، و قومي فمازال يعتذر اليَّ ويقول : يا صفية ان أباك ألّب علّي العرب ، وفعل وفعل ، حتى ذهب ذلك من نفسي ) – أخرجه أبو الشيخ في أخلاق النبي صلى الله عليه و سلم ص . 66 ، من طريق عفان مختصرا. و أخرجه البيهقي ( 9/138 ) ، من طريق عبدا لواحد بن غياث : كلاهما ( عفان و عبدا لواحد ) عن حماد بن سلمة ، عن عبيد الله بن عمر عن نافع، وبه قال الحافظ ابن الحجر في فتح الباري ( 9/508 ) أخرجه البيهقي بإسناد رجاله ثقات . --.
و في رواية : " أما إني اعتذر إليك مما صنعت بقومك ، إنهم قالوا لي كذا و كذا ، و قالوا فيَّ كذا وكذا " فما قمت من مقعدي و من الناس أحب اليَّ منه صلى الله عليه و سلم ) – السيرة الحلبية ( 2/749 ) - .
في هذا الحديث نشهد نموذجا رائعا من نماذج الإقناع عن طريق الحوار .
هذا النموذج هو تعامله صلى الله عليه و سلم مع صفية بنت حيي بن اخطب ، فقد كانت هذه المرأة من اليهود ، هؤلاء القوم الذين لقي النبي صلى الله عليه و سلم منهم كل شر وبلاء ، و اضطر النبي صلى الله عليه و سلم ان يخوض معهم معارك حربية غزوة بني النضير ، و غزوة بني قريظة ، وغزوة خبير و غيرها .... وقد قتل والد صفية حيي بن اخطب في غزوة بني قريظة ، وقتل زوجها كنانة بن الربيع بن أبى حقيق في معركة خيبر ، و لهذا كان صلى الله عليه و سلم من ابغض الناس إليها . و السؤال الذي يطرح نفسه كيف استطاع النبي صلى الله عليه و سلم ان ينقل صفية من الكفر إلى الإيمان . و من اليهودية – و معروف تعصب اليهود لدينهم – إلى الإسلام ؟ و من امرأة كارهة له شديدة البغض لشخصه إلى امرأة يصبح النبي صلى الله عليه و سلم أحب إليها من أبيها و زوجها و الناس أجمعين.
اجتمع نساء النبي صلى الله عليه و سلم في مرضه الذي توفى فيه ، فقالت صفية : إني والله يا نبي الله لوددت ان الذي بك بى ، فغمز بها أزواجه فأبصرهن رسول الله صلى اله عليه و سلم .
فقال : " مضمضن "
فقلن من اى شئ ؟
فقال : " من تغامزكن بها ، والله إنها لصادقة " – أخرجه ابن سعد في الطبقات الكبرى و قال الحافظ بن الحجر في الإصابة ( 4/339 ) و سنده حسن -- .
الجواب على هذا التساؤل ان النبي صلى الله عليه و سلم سلك معا مسلكين :
المسلك
الأول
: انه صلى الله عليه و سلم أستعمل معها إسلوب الحوار و الإقناع ، يدل على ذلك قولها : (( فما زال يعتذر اليَّ ، و يقول : " يا صفية ان أباك ألب عليّ العرب وفعل وفعل " حتى ذهب ذلك من نفسي )) .
ان إسلوب الحوار و الإقناع لهما الأثر الفعال في تغيير المفاهيم و إعادة صياغة العقول و استمالة النفوس و تطيب القلوب .
لقد أوضح لها النبي صلى الله عليه سلم موقفه من أبيها و قومها و عرض لها ما قام به والدها من الجرائم و ما اقترف من آثام في حقه صلى الله عليه و سلم و حق المسلمين و لم يروا منه صلى الله عليه و سلم منذ مقدمه المدينة إلا كل خير.
المسلك
الثاني
: فهو حسن تعامل النبي صلى الله عليه و سلم مع صفية ولطيف معاشرته لها.
وكان لهذا المسلك عدة مظاهرة أجملها فيما يأتي :
1 – أحسن إليها لكونها بنت رجل له منزلته في قومه. فوالدها حيي بن اخطب كان سيد بني النضير من ذرية نبي الله هارون عليه السلام ، ووصف بأنه سيد الحاضر و البادي و سيد الحيين كليهما – أي بني النضير و بني قريظة – يحمهم في الحرب و يطعمهم في المحل = المغازي للواقدي ( 2/519 ) و ممن وصفه بهذا الوصف احد رجال اليهود المسمى بالزبير بن باطا = .
2 – لم يكرهها على الإسلام فقد عرض عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم الإسلام فقال: " إن تكوني على دينك لم نكرهك، فان اخترت الله و رسوله اتخذتك لنفسي " قالت: بل اختار الله و رسوله. = انظر المغازي للواقدي ( 2/707 ) = .
3 – اعتقها من العبودية .
4 – ورضيها ان تكون زوجته وهذا شرف ما بعده شرف إذ نالت الاختيار لقب : أم المؤمنين و أصبحت زوجة سيد المرسلين . ( عن انس بن مالك قال : سبى رسول الله صلى الله عليه و سلم صفية فاعتقها وتزوجها ) – رواه البخاري 4201 = .
5 – أكرمها بوليمة بعد ان تزوجها . ( يدل على ذلك ما جاء عن انس رضي الله عنه قال : " أقام النبي صلى الله عليه و سلم بين خيبر و المدينة ثلاث ليال ، و يُبنى عليه بصفية ، فدعوت المسلمين إلى وليمة ، و ما كان فيها من خبز و لحم ، و ما كان فيها إلا ان أمر بلالا بالأنطاع فبسطت فألقي عليها التمر و الإقط و السمن " – رواه البخاري 4213 - .
6 – حسن معاملته لها و رفقه بها: ( عن انس رضي الله عنه قال: " فرأيت رسول صلى الله عليه و سلم يُحوِّي لصفية بنت حيي وراءه بعباءة، ثم يجلس عند بعيره فيضع ركبته، و تضع صفية رجلها على ركبته حتى تركب. ) = رواه البخاري 4211= .
و تحدثنا صفية رضي الله عنها عن خلق رسول الله صلى الله عليه و سلم ( فتقول : ما رأيت أحدا قط أحسن خلقا من رسول الله صلى الله عليه سلم لقد رايته ركب بى في خيبر ، و أنا على عجز ناقته ليلا ، فجعلت انعس فتضرب راسي مؤخرة الرحل فيمسني بيده و يقول : " يا هذه مهلا " ) = السيرة الحلبية ( 2/750 ) =
7 – دفاعه عنها و تفخيم شأنها لكونها ذات شرف و نسب ، وزجر من يؤذيها : يدل على ذلك ما رواه انس رضي الله عنه قال : بلغ صفية ان حفصة قالت : بنت يهودي ، فبكت فدخل عليها النبي صلى الله عليه و سلم وهي تبكي .
فقال : " ما يبكيك " ؟
فقالت : قالت لي حفصة : إني بنت يهودي .
فقال النبي صلى الله عليه و سلم : " إنك لابنة نبي ، و ان عمك لنبي ، و انك لتحت نبي ، ففيم تفتخر عليك ؟ " ثم قال : " اتقى الله يا حفصة " . = أخرجه عبد الرزاق في مصنفه ( 20291 ) ، و من طريقه احمد بن حنبل ( 12392 ) ، و الترمذي ( 3894 ) ، وقال : حسن صحيح ، و ابن حبان ( 7211 ) و الحاكم ( 4/29 ) و الضياء في المختار ( 1793 ) .
و في رواية عن صفية بنت حيي قالت : دخل عليَّ رسول الله صلى الله عليه و سلم ، و قد بلغني عن حفصة و عائشة كلام ، فذكرت ذلك له .
فقال: " ألا قلت: فكيف تكونان خيرا مني، و زوجي محمد، و أبي هارون و عمي موسى ". و كأن الذي بلغها إنهم قالوا: نحن أكرم على رسول الله صلى الله عليه و سلم منها، و قالوا: نحن أزواج النبي صلى الله عليه و سلم و بنات عمه. = = رواه الترمذي ( 3892 ) قال : و في الباب عن انس ، و هذا حديث غريب لا نعرفه من حديث صفية إلا من رواية هاشم الكوفي ، و ليس إسناده بذلك . أخرجه الحاكم ( 4/29 ) = .
حكمة زواجه صلى الله عليه و سلم من صفية بنت حيي:
ولقد كان في هذا الزواج حكم كثيرة و أحكام تشريعية وفيرة ، و لا شك ان للإرادة الإلهية حكمة من هذا الزواج المبارك ، و قد ظهر ذلك من خلال رؤيا رأتها ، كانت بمثابة التمهيد لهذا الزواج و التحضير له :
عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: ورأى رسول الله صلى الله عليه و سلم بعين صفية خضرة، فقال: يا صفية ما هذه الخضرة ؟
فقالت : كان رأسي في حجر ابن حقيق ، و أنا نائمة ، فرأيت كأن قمرا وقع في حجري ، فأخبرته بذلك فلطمني ،
و قال: تمنين ملك يثرب. = أخرجه البيهقي ( 9/138 ) بسند صحيح .
و لعل من أعظم حِكَم هذا الزواج ان السيدة صفية نقلت لنا اعترافا خطيرا عن حبرين من أحبار يهود ، و قائدين من أعظم قادتهم و هما : أبوها حيي ، و عمها ابوياسر ، هذا الاعتراف الخطير :
( عن صفية إنها قالت: كنت أحب ولد أبي إليه، و إلى عمي أبي ياسر، لم ألقهما قط مع ولد لهما إلا أخذاني دونه.
قالت : فلما قدم رسول الله صلى الله عليه و سلم المدينة ونزل بقباء في بني عمرو بن عوف غدا عليه أبي حيي ، وعمي ابوياسر بن اخطب مفلسين .
قالت: فلم يرجعا حتى كانا مع غروب الشمس.
قالت : فأتيا كالّين كسلانين ساقطين يمشيان الهوينى .
قالت : فهششت إليهما كما كنت اصنع ، فوالله ما التفت إلى واحد منهما مع ما يهما من الغم .
قالت : سمعت عمي ابوياسر و هو يقول لأبي : أهو هو ؟
قال: نعم والله.
قال: أتعرفه وتثبته ؟
قال : نعم .
قال : فما في نفسك منه ؟
قال: عداوته و الله ما بقيت. ) = السيرة النبوية لابن هشام ( 1/518 ) = .
يتبع
عفوا ,,, لايمكنك مشاهده الروابط لانك غير مسجل لدينا
[ للتسجيل اضغط هنا ]
عفوا ,,, لايمكنك مشاهده الروابط لانك غير مسجل لدينا
[ للتسجيل اضغط هنا ]
Amwaj
مشاهدة ملفه الشخصي
إرسال رسالة خاصة إلى Amwaj
البحث عن المشاركات التي كتبها Amwaj